في الوقت الذي يتساءل فيه عدد من المواطنين عن أبواب صرف أموال الضرائب التي يقومون بتسديدها الى الحكومة، مع غياب الشفافية في الإعلان عن قيمة الأموال المستحصلة من الضرائب، يعتبر عدد من الباحثين والخبراء في الشأن الاقتصادي، ان الفساد والبيروقراطية سبباً رئيسياً في تراجع تلك الإيرادات خلال السنوات الماضية، برغم السيولة المالية الكبيرة المتوفرة. 

ويدعو الباحثون الى معالجة ذلك بـ”أتمتة إجراءات الجباية وتحديث الإجراءات الإدارية الخاصة في هيئة الضرائب”.

ما هي الضريبة؟

تعّرف الباحثة الاقتصادية مي عودة، الضريبة بانها اموال تفرضها الحكومة على الافراد والمؤسسات، الهدف منها تغطية الانفاق العام وتحقيق الرخاء الاقتصادي والاجتماعي. 

وتشير عودة في حديث لها مع “طريق الشعب”، الى أهمية التمييز بين دافع الضريبة وبين من يتحمل عبئها فعلا، فهما ليسا بالضرورة شخصا واحدا. كما يعتبر تحديد المقدرة التكليفية امرا في غاية الأهمية في ما يتعلق بتوزيع العبء الضريبي، فمن من اجل تحقيق العدالة الضريبية، يجب معاملة الأشخاص غير المتساوين بالمقدرة التكليفية، معاملة مختلفة. 

وتضيف الباحثة عودة ان “العدالة الضريبية مبنية على عموميتها، وعليه يجب ان يساهم كل شخص من الأشخاص في الانفاق العام، ولكن حسب قدرة الشخص”، مشيرة الى “ضرورة ملائمة الضرائب مع حال المكلف من حيث وعائها وكيفية جبايتها وموعد الجباية وملائمة إجراءاتها للمكلف بدفعها”.

البيروقراطية والفساد

وتبيّن الباحثة ان “المعوقات البيروقراطية والفساد يعرقلان عمل الإدارة الضريبية ويحملانها نفقات عالية في سبيل جباية مبالغ ضريبية محدودة، بينما يفتح الفساد الباب واسعا امام الكثير للتهرب من دفع الضرائب”.

وتؤكد “ضرورة انتهاج طرق جباية أسهل واقل جهداً وأكثر فاعلية، من بينها التحول نحو اتمتة الإجراءات للقضاء على الفساد والبيروقراطية”.

وتنوه الباحثة عودة الى “قيام الدولة في أغلب دول العالم بتوظيف الضرائب المستقطعة من الافراد في مختلف القطاعات، لتغطية الانفاق العام. وبهذا تصبح إنتاجيتها اكبر لصالح المجتمع بدل بقائها في يد الافراد الذين جُبيت منهم”، موضحة أن “لا أحد يعلم مصير المردودات المالية للضرائب في العراق، وليس من المعقول ان تذهب هذه الأموال لسداد رواتب الموظفين على سبيل المثال، كون الغرض الأساسي من جبايتها هو تقديم خدمات عامة للمواطنين”. 

وتجدر الإشارة الى أن العراق حقق إيرادات من الضرائب، بلغت خمسة تريليونات و22 مليار دينار (3.4 مليار دولار) في العام 2017، ومن ثم انخفض هذا المبلغ الى أربعة تريليونات دينار (2.7 مليار دولار) في العام 2018، ليتراجع ثانية العام 2019 ويصل إلى ثلاثة تريليونات دينار (ملياري دولار)، قبل أن يرتفع إلى ثلاثة تريليونات و800 مليار دينار (2.6 مليار دولار) في العام 2020. 

ورغم أن الحكومة لم تعلن عن الإيرادات الضريبية للعام 2021 الا إنها كانت تطمح أن يصل المبلغ الى 6 ترليون دينار (4.02 مليار دولار).

فوضى وسوء ادارة

بدوره، يؤكد الخبير الاقتصادي حسين مجبل ان العراق يملك إمكانات اقتصادية هائلة، وكتلا نقدية غير مفعّلة، “هناك تهرب ضريبي عال جدا”.

ويقول مجبل: “كل هذا يحتاج الى تخطيط استراتيجي للضرائب، فاعل وكفوء، يشمل العملية الضريبية بصورة كاملة من اجل الوصول الى الأهداف التي فُرضت من اجلها الضريبة والحد من التهرب الضريبي”. ويضيف لـ”طريق الشعب”، ان “إدارة الملف الضريبي في البلاد تعاني الفوضى وسوء الإدارة والفساد وغياب الرؤية في كيفية تحقيق إيرادات مالية يمكن لها ان ترفد الموازنة العامة للبلد بمبالغ قد تصل الى حوالي 10 مليارات دولار”. 

ويشير الى ان “الحكومة تركت أصحاب رؤوس الأموال والشركات وقامت بفرض ضريبة على المواطنين في موازنة العام الحالي، ما تسبب في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، في الوقت الذي كان يمكن لها تسجيل ملايين المحال التجارية الرابحة، التي يعاني أصحابها من مشاكل بيروقراطية وفساد في عملية دفع الضريبة عند مراجعتهم للدوائر المعنية”.

طرق بدائية ونظام غير فعال

ويضيف الخبير مجبل ان “طرق جباية الضرائب لا تزال بدائية، وهناك تقصد من قبل بعض الجهات الحكومية في عدم أتمتة الإجراءات، كي تستمر عملية الفساد وتدوم منافع الجهات المتنفذة التي تسيطر على هذا الملف”. 

ويشير الى ان “المنافذ الحدودية لا تزال أسيرة لدى الجهات المتنفذة، ولم تنفع محاولات الحكومة في السيطرة عليها، حيث يتواصل التهرب الضريبي وسط محاولات يائسة من الحكومة للحد من ذلك. فيما تعاني دوائر الضريبة من فساد مستشر نتيجة لغياب الرقابة وسيطرة المتنفذين على هذه المفاصل الحيوية”.

ويدعو مجبل الى تحديث العمل الإداري لهيئة الضرائب وأتمتة عملية جباية الأموال وتسهيل الإجراءات الإدارية امام دافعي الضرائب وتقديم نسب إعفاءات مشجعة لمسدديها في اوقاتها، من اجل تشجيع المواطنين على التعاطي مع الموضوع بشكل إيجابي. 

وينّوه بان “الحكومة مطالبة ببيان أبواب صرف هذه الأموال وتوظيفها للخدمات العامة من اجل خلق جو من الثقة مع دافعي الضرائب”.

ويخلص الخبير الى عدم فعالية النظام الضريبي القائم حالياً في العراق وعدم قدرته على تأدية دوره التمويلي، وهو ما انعكس على إغراق السوق المحلية بالسلع الأجنبية وانخفاض إيرادات الضرائب بشكل عام. 

أنواع الضرائب في العراق

وتضمنت الموازنة العامة للبلاد في العام الماضي، والتي صوّت عليها مجلس النواب، فرض ضرائب جديدة تمثلت بضريبة تبلغ 25 ألف دينار (17 دولاراً) للشخص الواحد عن السفر الخارجي في كل المطارات العراقية، وضريبة على السجائر والتبوغ بنسبة 100 في المائة، وعلى المشروبات الكحولية والروحية بنسبة 200 في المائة، وعلى وقود السيارات المستورد بنسبة 25 في المائة، وعلى بطاقات إعادة شحن الهاتف المحمول والإنترنت بنسبة 20 في المائة، وعلى تذاكر السفر والسيارات بنسبة 15 في المائة. 

وتخضع المطاعم والفنادق من الدرجة الأولى لضريبة مبيعات بنسبة 10 في المائة. فيما تكون ضريبة الشركات 15 في المائة. ويخضع الدخل المحقق في العراق من العقود المبرمة مع شركات النفط الأجنبية وفروعها أو مكاتبها والمقاولين الفرعيين العاملين في العراق في قطاع إنتاج النفط والغاز والصناعات ذات الصلة لضريبة قدرها (3.0 – 7.0 في المائة)، وتحدد الضرائب وفقا لأرباح رأس المال والتي تتضمن المكاسب المتأتية من بيع الأصول في الدخل العادي، وفقًا لمعدل الضريبة العادي على الشركات.

معوقات حقيقية

وللأسف، لم تستجب هيئة الضرائب العامة للاتصالات المتكررة ومحاولات تبيان رأيها في ما يخص الموضوع المطروح، لكن مصدراً من داخل الهيئة، رفض الكشف عن إسمه، أكد أنها “تعاني من نقص في الموارد البشرية من حيث الكم والنوع، وضعف في التدريب للكوادر وهو ما يزيد من نسب التهرب الضريبي”. 

ويضيف المصدر لـ”طريق الشعب”، ان “التشريعات الضريبية قديمة وتعيق تعديلاتها الكثيرة والتعليمات المختلفة”. 

ويعتقد المصدر أن “غياب الجوانب التحفيزية المالية اسهم بشكل كبير في تهرب العديد من المواطنين من دفع الضرائب”، ملاحظا ان “مساهمة الضرائب في الموازنة العامة للبلاد انخفضت خلال ستة عشر عاماً مضت الى حوالي 4 في المائة، وهي نسبة خجولة لا ترتقي الى مستوى الأموال الموجودة في البلاد”. 

وعد ان “زيادة واردات الضريبة في البلاد حاليا غير حقيقية، كونها تحققت بسبب زيادة الانفاق الحكومي وارتفاع نسب التضخم وارتفاع سعر صرف الدولار امام الدينار”.

غياب الخطط الاستراتيجية

وينتقد المصدر “غياب الخطة الاستراتيجية الحقيقية وعدم وجود معايير الأداء لقياس الكفاءة والفاعلية، رغم وجود العديد من الإمكانات غير المستغلة والتي سترفع في حالة تفعيلها من كفاءة وفاعلية الهيئة”، داعيا الى “الخروج من الأهداف التنظيرية غير الممكنة واقعيا الى اهداف واقعية تتلاءم مع إمكانات الهيئة العامة للضرائب وبيئتها وما يجب ان تكون عليه في المستقبل، وتطوير الملاكات من خلال زيادة التدريب واختيار الموظفين لشغل المواقع الوظيفية وفقا لنتائج التدريب والنتاج الوظيفي، بعيدا عن صراعات المتنفذين، واستقطاب حملة الشهادات العليا وتوظيفهم في الهيئة بدل الاعتماد على بعض الموظفين التقليديين، مع ضرورة اصدار تشريع ضريبي يلائم متطلبات الاقتصاد”.

ويشتكي دافع الضرائب المواطن عباس ناجي في حديثه لـ “طريق الشعب” من رداءة الطرق العامة والرئيسية، ويتساءل عن مصير أموال الضرائب التي “ندفعها نحن أصحاب مركبات الحمل يومياً سواءً في دوائر المرور، أو الجباية التي تستوفى بشكل يومي من قبل المتعهدين وفي اكثر من مكان واحد في اليوم ذاته”!

عرض مقالات: