لساحة التحرير في العراق أوراق قديمة ومعاصرة، نظيفة بسطورها وممزقة باستعمالاتها، يمكنك أن تقرأها عبر الذاكرة أو تقرأها وأنت تتصفحها، هذه الأوراق كتبت باقلام عراقية وطنية مختلفة الأحبار فجاءت حروفها كبيرة وصغيرة، واضحة ومختفية، فيها ما دون وقت حدوثه، وفيها ما أُلحق بصفحاتها بعد اكتمال أحداثها، هذه الساحة المدونة التاريخية معتمد ثقافي سياسي للعراق، وعبثا أن يلغى هذا المعتمد أو يهمش، او أن يصبح جزءا من مؤسسات السلطة، او أن يستبدل بغيره. فالحكاية التي تأسست في الساحة ليست حكاية أفراد أو نظام، بل هي حكاية شعب مرَّ بظروف كتب احداثها كمدونته لأزمنته اللاحقة كي تقرأها الأجيال وتتفهم مقاصدها وتسير على نهجها، وكتبت احيانا بطريقة العبث الشبابي الذي اصبح لاحقا هوية للاحتجاج والرافض. لذا يصعب على أي منا عدّ هذه الأوراق أو تصفحها دون وعي بمرجعياتها، ليس لأنها كثيرة ومنفتحة على الإضافة، وإنما لأن كل سطر في صفحاتها يستدعي تاريخًا من تواريخ العراق، وعليك أن تدقق في حروفها وكلماتها وجملها وحكاياتها، ففي كل حكاية ثمة جمل وكلمات وحروف مختلفة عمّا في الحكاية الأخرى، ولذلك تعد ساحة التحرير رمزا للحرية التي الفتها الوان الطيف الاجتماعي العراقي وهي تتظاهر فيها رافعة لافتتها الوطنية..

 المكان المشحون بقضايا شعبية  مثل ساحة التحرير يكون متحركا حتى لو فرغ من المارة، فيصبح عصيا عندما تسيجه بأي دبابة أو حرس، حينئذ تجد نفسك في لحظة وعي انك انت المسجون في تاريخها. بالأمس وأنا أمر بالقرب من ساحة التحرير، رأيتها رؤية مختلفة عمّا كنت اراه في السبعينيات والى أواخر عقود القرن الماضي، رأيتها  مقيدة بسلسلة من الحرس المدججين وهو يحيطون بنصب الحرية وكأنهم يمنعونه من أن يطل على المارين وشوارع الساحة وتفرعاتها. ولو امعنت الرؤية في طبيعة هؤلاء الذين يقيدون نصبها، تجدهم منتظمين في صفوف وجوههم صوب المارة، وظهورهم لنصب الحرية.لقد شكل هؤلاء الجند صورة اخرى لقلاع السلطة حين جعلوا للساحة ممرات مسيجة بالكونكريت والبنادق، واجازوا لمن يملك هويات خاصة بالمرور، انهم يعتقلون الحرية من خلال وقفتهم وبنادقهم. حتى بدا منظر  النصب مغيبا عن الرؤية ، وبدت الرؤية نفسها منسحبة من النصب الى غيره.

قلت لاقترب كثيرًا من الساحة لأرى تفاصيل المشهد المركب من النقائض، فوجدت أن ما يملأ الساحة ليس هم العسكر الذين اساء وجودهم لرمز الحرية فقط، بل الناس المختفين وراء استار الحرس المدجج بالأسلحة المصوبة الى ارض العراق برمزية وجودهم تحت نصب الحرية. وبدأت بالتعرف على اولئك المنتفضين المختفين بقوة السلاح لاجد بينهم بعضا من اجيال عراقية مختلفة وهم يحيطون بكوكبة من شباب تشرين وقد كفنوا جميعا برايات العراق الوطنية.

اطلقت السلطات السابقة الرصاص على النصب فارتدت عليهم واقتلعتهم،وكتب بعض المشعوذين من ايتام الملكية: ان النصب نذير شؤم للعراق، لأنه رمز باربع عشرة ايقونة  نحتية لذكرى ثورة 14 تموز، فكانت اللعنة تلاحق المشعوذين من كتبة التعاويذ. ليس النصب والساحة مجرد امكنة وجدت في وسط بعداد، بل هما الرئة التي يتنفس الشعب العراقي كله عبرهما.

عرض مقالات: