النظرة الشمولية التي يمتلكها الكُتّاب تمكنهم تحويل الخاص جداً الى عام مشاع، خاصة عندما يتناولون تفاصيل صغيرة من حياتهم، ويتخذون منها مادة سردية تتصاعد هرمياً، تؤدي الى قضية إنسانية عامة، واضحة المعالم، تواجه القارئ، وتكون الدرس الجديد الذي يضيف اليه مما لم يكن في علمه.

وقد اعتمدت الكاتبة النمساوية “لورا فرويد نتالر” 1984م ... عبر نسيج روائي اتسم بالجديّة، الذكاء المتوقد، والكشف عن تفاصيل صغيرة بلسان الزوجة عن حياة زوجين. تترك في الذهن عدة استنتاجات، كأنها تقف خلف ستار، وتفرض سيطرتها على القارئ، وكل مرة تسحبه الى منطقة جديدة.. تبوح له بمخاوفها من زلزال قد يدمر لها عشها الامن. اعتمدت الرواية نظام الفصول القصيرة عددها (72) فصل، عمل كل فصل على وصف طبيعة العلاقة بين الزوجين. استطاعت ان تقنع القارئ بوفرة المعلومات الدقيقة عن الة “البيانو”، وكيفية التعامل مع طلابها، على اتقان العزف. من خلال مراقبة دقيقة، رغم بساطة الجمل، الصافية، الصادقة الى ابعد حدّ، المشحونة بالعواطف. تتابع موضوعة متكاملة “عن حياتها” من جميع زواياها، محورها تفاصيل الغيرة المتصاعدة بين الزوجة وزوجها شحنتها عبر تلميحات ليس بالهين عبورها، تم تغطيتها بفطنة معرفية.. جعلت من كلّ ذلك موضوعا شيّقا يستحق الوقوف، والدرس.

الرواية بلسان “آنِّا” المتزوجة من “توماس” منذ عشرين سنة، في عمر واحد تجاوزا به الخمسين عاماً ويقطنان معا بيتا منذ (عشرون سنة ونحن نخرج من الباب نفسه الى الشارع نفسه، ونستخدم الحمام نفسه، بعض الناس ينتقلون من سكن لآخر كل سنتين - الرواية). وكيف تعيش بطلة الرواية بصحبة زوجها حياة طبيعية، تواظب في عملها كمُدَرِسَة مادة الموسيقى للأطفال.. تندلع في داخلها موجة شك، تتصاعد ببطء، ودون توقف غيرة ما. تتلاعب بنا الكاتبة، وتغرينا بالوصول الى منطقة الشك حول زوجها “توماس” الذي تعرّف على فتاة أصغر منها، وصارت بديلة عنها. تعثر في جيب زوجها المغرم بجمع الفواتير التي تخص مصاريفه، فاتورة لشخصين في مطعم، ولم تنتبه لتاريخ الفاتورة، ظنتها ان الفاتورة كانت لموعد غرامي مع فتاة، بعد ان احسّت بعدم الاهتمام بها، ومنذ تلك اللحظة صارت تلك الفتاة غريمٌ لها. وأخذ خيال “آنا” يمزج كل ما تتذكره عن “توماس” أيام كانت شابة يافعة، وكيف كان يعاملها، ماذا أحب فيها، وماذا كره. تعيد تلك القصة مع نفسها الى درجة انها تتخيل ان “توماس” يفعل مع تلك الفتاة كل ما كان يفعله معها عندما كانت شابة، اذ صارت تلك الفتاة خارجة من الخيال الى الحقيقة (تاريخ الفاتورة مضى عليه أكثر من عشرة أعوام). كأنما بات لها كيان آخر يشاركها زوجها الذي ليس لديها أحد غيره في الدنيا، إضافة الى أمها البعيدة عنها، والمصابة بفقدان الذاكرة. بات ذلك الرجل يخونها مع تلك الفتاة؛ التي باتت لها صورة “الشابة” نفسها الى درجة انها تراها في المرآة التي في غرفة نومها أحيانا.. تتخيلهُ بانشغالاته قد ملّ منها، مثلما يحدث حريق في مكان ما، فان موضوعة الغيرة الزوجية كافية لأن تسلب الانسان استقراره، وتتركه كالعصف المأكول مثلما تفعل الحرائق في أماكن حدوثها.

رواية “أعيش مع شبح” تمكنت من رسم صورة واضحة لامرأة باتت متيّقنة بانها على أعتاب الشيخوخة، وان خلاياها النشطة بدأت تضمر، وبحكم ان تكون شخصاً لا يستحق الاهتمام من الذين حوله. توحي اليك. ولا تقول ذلك بشكل مباشر. بطلة الرواية تمتلك “كاريزما” الجديّة، التي لم تجعلها مقبولة من المحيطين او المجايلين لها، لأنها لا تتعامل بالمجاملات مع الناس، جديّة صارمة في كل شيء، ومنضبطة الى ابعد حدّ. لذلك بقيت تعاني من جراء تلك الجديّة غربة من نوع خاص. الى جانب دقتّها في عملها، تحاسب نفسها كونها تركت اظافرها غير مقصوصة في الوقت الذي لا تسمح بذلك لطلبتها، بحجة انها تعيق العزف على آلة “البيانو”.

“الغيرة” طبيعة بشرية كثيرة التكرار، وعديدة الوقائع، واغلب الكتاب الكبار ركزوا عليها وجعلوها محورا لأعمالهم، فيها الموضوعة الحيويّة، في هذه الحياة التي تعجّ بالضغوطات والمنغصات.. تصورها بكاميرا سردية دقيقة وتعرضها امام القارئ، كأنما تعطيه درسا حيويا في حياته، ولأجل ان لا يخرج عن مساره الأخلاقي، والذي سوف يخرج به عن محبة الناس، وخاصة الأكثر قربا مثل الزوجة...

الروائي القدير في سرده له أفانين يستخدمها مع مفاتيح لها علاماتها الواضحة، توصلنا وفق نظام بَيّنْ الى الاسباب الحقيقة. وبالرغم ذلك كله؛ تقف وراء ذلك الهدوء واقعية أخلاقية تحتاج الى تأويل حقيقي لكل تعاملات حياة البطلة “آنّا” شخصية مثيرة للجدل جعلت منها الرواية المتميزة التي حصلت بكل اقتدار على جائزة الاتحاد الأوربي للآداب 2019. اللاعب الرئيس هو ذلك السارد “الباطن” نعهده في هذه الرواية، يحرك ادواته باتجاه الإيحاء، حيث تلك الأفعال لا يقدر عليها الا لاعب محترف، يقول لنا أشياء، حول النتائج الظاهرة، ويتركنا نستنتج، ما خلفها من باطنة. تعلمنا “لَورا فرويدنتالر” بما لا يمكن التعامل مع احداث هذه الرواية بوصفها حقائق مطلقة، بل ان الحقائق تمارس على القارئ لعبة الاقتدار؛ حيث تسحبه من أجواء الحقيقة الى أجواء الوهم، وبفضل ذكاء الكاتب كل شيء ممكن في عالم الرواية، وهذه حسنة كبرى من حسنات اي كاتب مقتدر، بعدما يضع دلائله واشاراته الواضحة.

نقلت لنا هذه الرواية البديعة بأمانة الى العربية من اللغة النمساوية، المترجمة القديرة “رضوى امام”، وكانت موفقة بجملها الصافية المشحونة بنبض المؤلف. ثمة تراجم لها من الأمانة والدقة جعلت من بعض الاعمال الكبيرة تصلنا، على عكس التراجم الأخر، التي ظللت وأساءت الى اعمال كبيرة، وجعلتها تخسر متانتها ورونقها الفني. فالرواية عن امرأة شابة تشك في أن زوجها على علاقة بامرأة أصغر سنًا، وكيف يتحول كل شيء، الى موقف، وإلى تأكيد لما تظنه؛ او مجرد خيال وألاعيب يمارسه عقلها عليها؟ تتلاعب الكاتبة باللغة لتثير حبكة الرواية لدى القارئ. حتى صارت ترى شبح الفتاة التي سرقت منها زوجها في كل ارجاء البيت، وتجاوزت الحمام وغرفة النوم، وكل مشتركاتهما. تظهر لها وتختفي، بل صارت حاضرة في تلافيف دماغها. (ليست لي أي حقوق مادية. حتى لو تمكنت من اثبات خيانته لي، فسيبوح في المحكمة بانه لم يضاجعني منذ سنوات، وسوف اضطر الى البحث عن أدلة تكرار خيانته لي عبر السنين- الرواية)، وصارت تواجه نفسها حول ما تراه.. (ماذا تفعلين عندما تبدئين برؤية شبح تلك المرأة التي يعرفها زوجكِ في كل مكان حولك؟ كيف ستتعاملين معها؟ تقنعين نفسكِ بأنها كلها هواجس وشكوك لا أساس لها من الصحة، وتحاولين مقاومتها ومقاومة كل ما يدعوكِ للاستسلام، بل وتعيشين أحيانًا في أحلام يقظة تأتيكِ من ماضيكِ السعيد.. ولكن، روتين كل يوم يقضي على ما تبقى من مقاومة- الرواية). (عندما تُعرِّف آنا بنفسها تنطق اسمها بالفرنسية: آن وإذا عاود الشخص السؤال عنه تنطقه على الطريقة بالألمانية انا، حيث تنطق حرف المد في النهاية. فينطق اسمها بطريقته الخاصة، التي تقارب النطق الفرنسي بعض الشيء، فهو لا ينطق حرف المدّ في نهاية الاسم- على غرار الطريقة الألمانية- يمتد حرف النون قليلاً. ان النسخة الألمانية من الاسم أكثر ليناً، فحرف المدّ في النهاية يطلق العنان للفم، بدلا من انغلاقه مع حرف النون- الرواية.

وُلدت المؤلفة في النمسا، ثم تخصصت بالأدب الألماني، نشرت لها مجموعة قصصية “مادلين” عام 2014، و”الملكة الصامتة” الحاصلة على جائزة “بريمن” الأدبية عام 2018، وهذه الرواية “أعيش مع شبح”، الفائزة بجائزة الاتحاد الأوروبي في الأدب عام 2019. وصلت للقائمة القصيرة بجائزة “النص واللغة في الدائرة الثقافية الألمانية”، والقائمة القصيرة لجائزة “ألفا” الأدبية عام 2019.

تعد الكاتبة من بين الأساتذة الذين تخصصوا بالأدب الألماني خاصة وعرفت باستيعابها جيداً الاسرار الدقيقة المبثوثة عبر متونه امثال: “غوته”، “هرمان هيسه”، “هرمان بورجر”، “ثيودور فونتان”، “ياكوب غريم”، “فيلهالم غريم”، “غونتر غراس”، “توماس مان”، “كلاوس مان”، “هينريش مان”، “فريدريش فون شيللر”، “برتولت بريشت”، “ثيودور ستورم”، “مارتن اوبيتس”، “فولفغانغ بورشرت”، “هانس بندر”، “يوهان بيتر هيبل”، “إلزه آيشنجر”، و”ايبر هارد ميكيل”).

عرض مقالات: