في قاعة كبرى من قاعة متحف انطاليا التركية، الذي يضم من التراث الروماني وبقية الحضارات ما يتجاوز متحف روما، أقام كاظم الداخل معرضه الأربعين “بين عالمين”، ريشته تصورت أنماطاً من الحياة ما بعد الموت، مستوحياً ما شهد به قرابة 500 شخص ممن توفوا ثم عادوا للحياة، أجمعوا على أنهم قد انتقلوا إلى عالم فيه شخوص مضيئة لكنها غير محددة المعالم، أقرب ما يكون لثاما ضوئيا يغطي بعضاً من وجوههم.

هذه الشهادات اقتربت من قناعات تراكمات في وجدانه عما يؤول له الإنسان بعد الموت، مقتنعاً أن الطاقة، الروح، لن تبقى تحت التراب بل تنتقل إلى عالم آخر مشرق أكثر من حياة بعضنا في هذا العالم “الفاني”. (اللوحات 1 و2 و3)

وهو يتعامل بريشته ما بين عالمين بألوان تتداخل فيها زرقة السماء المعتمة ليلاً وخضرة أرضية تتدرج في معراجها مع المنتقل إلى العالم الأخر حتى تقترب من ألوان ضوئية، قد يكون الأصفر الهادئ تعبيراً عن فكرته في انتقال الإنسان إلى عالم الروح الآخر، لكن الصفار ليس صفار المحبة الموعودة في الجنة، لكنه يقاربها، فيما تبدو معالم العالم الآخر أقرب إلى مستوطنات فضائية.

وضمن بعض التوقد الوجداني، بين رؤية مادية وثقة بخلود في عالم أخر، ينتقل بنا في اللوحة الرئيسة التي تصدرت الإعلان عن معرضه، حيث يجمع بين العشاء الأخير وبين التصوف الإسلامي وبعض طقوسه، قاصداً ربما القول إن الإيمان بالله الواحد هو عطاء وبذل سواء في العشاء الأخير أو في الطقوس الإسلامية للمتصوفة. وحرص كاظم على أن يكون العشاء الأخير وطقوس المناجاة المولوية لمؤسسها المجدد جلال الدين الرومي تشرق من الظلمة، وتتماهى في سكون الروح وعطاء الجسد.، وهو يرى أن هذه الطقوس تعود إلى حضارات متعددة سبقت المولوية.

مدن الزهايمر لوحات تتداخل فيها ذكريات كاظم عن مسقط رأسه في مدينة الناصرية حيث راسخة في وجدانه بوابة بيت أهله الذي هجروه إلى البصرة، وبعدها أضطر هو وحيداً للجوء إلى الكويت هرباً من “الضغوط العقائدية” عام 1979.

مدن الزهايمر تتداخل فيها نخلات عراقية مع معالم متنوعة، لكنك لن تستطيع تجاهل الألوان التي جعلت النخلة والمدينة كئيبتين، بعض كآبتها من معاناته وهو يقصى من معهد الفنون عام 1979 لأنه غير منتمٍ، ورحلته مشياً على الأقدام إلى الكويت، ومن ثم اضطراره للهرب من الكويت إلى روما، بمساعدة سفير إيطاليا، أثر معرضه الفني الأول برعاية مجلة الطليعة القومية العربية والمناضلين الراحلين الدكتور أحمد الخطيب ورئيس تحرير الطليعة سامي المنيس أبو أحمد الذي اعدم والده بقطع رأسه عام 1936، اثر ثورة الكويتيين استجابة لإذاعة الملك غازي ودعوته للوحدة.

مدن التركواز هي بعض من معارض سابقة تتلاقح مع مدن الزهايمر ومعاناتها، ففي التركواز هناك أجساد عارية بحياء وكؤوس وثمالة، ويتلاقى الزهايمر التركواز في قلق الإنسان ومعاناته واضطهاده، واحتياجاته لتسكين هواجسه وآلامه ببعض الأمل والحنان، اللذين يبحث عنها كل إنسان بطريقته الخاصة.

كاظم الداخل أقصي من وطنه العراق، فلجأ للكويت وعاش أكثر من سنتين مع فرصة عمل برعاية “جماعة الطليعة”، لكن معرضه المندد بالحرب العبثية مع إيران ورصد المخابرات العراقية، اجبره على الرحيل إلى روما حيث توفرت له فرصة دراسة جامعية للفن، فصارت ريشته بضرباتها أكثر تعبيراً في ما يزيد على 40 معرضاً في إرجاء العالم، بعضها في الوطن العربي، وموضوعاته تلقت قبولاً واستحسانا من الحضور. وكاظم المقصي من فرص الدراسة الجامعية، والمجبر على الابتعاد أكثر عن العراق ليغادر الكويت محتمياً ببعد روما، أثارت فزعه الحرب على العراق عام 1991 و2003 حيث انكسرت المنارة أمام أضعاف قنبلة هيروشيما على أهله في العراق.

كما لم تغفل لوحاته الهجمة الداعشية على العراقيين وبقية بلاد المسلمين ومغريات حور العين الكاذبة.

ألوان كاظم الشاب كانت متوهجة مضيئة شمسية لا تخلو من ترابية وادي الرافدين، لكن مع الغربة وبيئة السويد حيث استقر سنيناً طوال، برغم أحضان العائلة والأطفال، بدأت تزحف على بريق ألوانه فبعد الخمسين بدأت ألوانه أقل بريقاً وأكثر عتمة، حيث الشكوك عن سبب كل المعاناة والاضطهاد، حتى كانت قناعاته بالعالم الثاني، فكان معرضه بين عالمين، لكن ألوانه المعتمة قليلاً تعبر عن بعض القلق عما إذا كان سيعبر حقاً إلى العالم الثاني، لكن البريق يظل جاذباً لعين المشاهد برغم كل الاكفهرار والعتمة.

عرض مقالات: