((رأيت أنا جوانغ زي مرة في منامي أني فراشة ترفرف بجناحيها في هذا المكان وذاك، تشعرني باني فراشة. أما ذاتي الإنسانية فلم أكن أدركها قط. ثم استيقظت على حين غفلة وهأنذا منطرح على الأرض رجلا كما كنت، ولست أعرف الآن هل كنت في ذلك الوقت رجلا يحلم بأنه فراشة، أم أنني الآن فراشة تحلم بأنها رجل.))

- الفيلسوف الصيني جوانغ زي-

كان النائم مرعوبا في منامه، قلقا، لا يهدأ، يرتجف من شدة الخوف والبرد الصقيعي الذي خيّم على حلمه، كما خيّم الواقع عليه. كان هذا النائم، يرى الصبي الذي لم يخرج مرة واحدة خارج البيت، واذا خرج لم يمد يده ليسلم على من يريد أن يسلم عليه، بل يكتفي بإيماءة صغيرة من رأسه ذو الشعر الاسود الكثيف كخلية نحل على جذع شجرة، كوالده، وجده. كان يراه دائما وجمع كبير من النساء وهو يتحدث لهنّ، لم يعرف فحوى الكلام الذي يقوله. هذا الصبي، وللمرة العاشرة يشكّل مع مجموعة من الناس الذين فكرهم مساير لفكره، أو بلا فكر، جمعية  “العتاڴين” التعاونية، مسؤولة عن الأشخاص الذين يتعاطون بيع وشراء المواد المستعملة، والعاطلة، والقديمة، فيما اجتماعه مع النساء يحدث بوجود الجمعية أو عدم وجودها.

في الحلم البارد، كان النائم يرى الصبي مع والده في أول تشكيل لجمعية “العتاڴين” التعاونية. وكان والده هو الذي  أطلق عليها هذا الاسم الذي رآه مميزا بين الجمعيات، إذ يختار المتميز من الأسماء، والأكثر تأثيرا على العامة من الناس.

ترأس والده هيأتها الادارية الأولى، وعتيقها من الاشخاص، إلّا ان مرض السرطان الذي نخر جسمه كالسوس قد قضى على وجوده في تلك الجمعية، وفي الحياة أيضا، فمات بذلك المرض، فإنتقلت الرئسة بحكم وصية المتوفي الى الصبي مع وجود أشخاص أكبر منه سنا في تلك الجمعية التي عرفت بين الناس، واشتهرت. وكان هو فتى أخضر العود، مضيء الوجه، ناعم العظام، طريّها.

بعد فترة زمنية تحسب على أصابع يد واحدة من الأشهر، أضاف هذا الصبي ذو الأسنان اللبنية، كما رأى النائم في الحلم، بعض الرجال الآخرين للجمعية، وغيّر اسمها، فأضاف لفظا جديدا له دون أن تغيب عنه علاقتة بالعتيق، وعدّل من شعارها في الشكل والألوان المختلفة.

قامت هذه الجمعية بنشاط في مجال بيع العتيق من الأجهزة القديمة، والعاطلة، والمستخدمة، فتبنى بعض افكارها مجموعة من الناس الذين يمكن أن نصفهم “بالعتاڴة”، والذين يحنون الى الماضي، فكثر أعضاؤها، وفتحت لها فروعا في محافظات العراق، وأقضيتها، ونواحيها، واختارت بيرغا لها، ينتصب واقفا بسارية معدنية بلون ذهبي خلف رئيسها، وبيرق صغير يشبهه على المنضدة التي يجلس اليها الصبي، رئيس الجمعية.

بعد فترة قصيرة، كما رأى النائم في الحلم، هذا الصبي لم يرتح الى هذه الجمعية، فقد كان قلقا لا يهدأ له بال، ولا استقر له قرار. وكان بين فترة وأخرى يغيّر شعار الجمعية دون أن يبتعد عن عالم الأجهزة المستعملة، والعاطلة، والقديمة، فقام بتغيير الكثير من أعضاء هيأتها الادارية، وغيّر بعض علامات شعارها، وبيرقها.

أخيرا استقر رأيه على أن يضيف كلمة “العراقية” الى اسم الجمعية، لأن الزمن تطلب ذلك، فأصبح اسمها جمعية “العتاڴين” العراقية التعاونية، لانه وجد لفظة “العراقية” مفقودة من شعار الجمعية. وغيّر في شعارها، إذ رسم خريطة العراق كخلفية لشعار الجمعية، إلّا ان هذه التغيرات الأخيرة جعلت أعضاء الهيئة العامة يخرجون منها خاصة بعد اكتشاف زيف ادعاء الجمعية بالعراقية كذبا، كما رأى النائم ذلك في هذا الحلم الصقيعي الذي فزّ منه مرعوبا، كما عاش الرعب فيه.

عند هذا الحد وهو ينظر لشعار الجمعية الجديد الذي يعلو باب بناية الجمعية،  قرصته برودة جو الغرفة التي كان ينام فيها، ففزّ مرتجفا من منامه في فجر يوم بارد، كمن لدغته حية سامة، وبالكاد كان يفتح عينيه الدبقتين، وقد خرج صوت إصطكاك أسنانه من البرودة الصقيعية.

كان جو الغرفة باردا كالصقيع، والفراش الذي كان ينام عليه مثل ثلاجة كهربائية فيها علب مملوءة بالماء المتجمد، والثلج مكدس في جوانبها، ودثاره الصوفي منزاحا عن جسمه بمسافة بعيدة عنه، وقد كان  نصف هذا الدثار خارج السرير الحديدي الذي كان ينام عليه، وقميص بجامته مرفوعا الى أعلى ظهره فبان جلد ظهره للعيان. شعر ان جسده ظل يختض بسرعة مثل جهاز إتصال موضوعا على وضع الهزاز.

   كان الفصل شتاء وقد تساقطت الثلوج على المدينة بكثرة، والثلج في كل مكان منها يغطي مظاهر الطبيعة فيها، والبيوت، والسيارات، حتى بات أي مكان خارج البيت هو أبيض كالقطن. كانت السماء تندف الثلج مثل نثار من القطن الجديد. كان قد فزّ وبلعومه جافا على الرغم من سقوط الثلج في الخارج، وبرودة الجو في الغرفة. بلع ريقة أكثر من مرة حتى استقام له من جديد، فيما أسنانه تصطك سريعا بصوت مسموع، كصوت نزول حبوب العدس على سطح معدني.

   كان كل ما رآه في منامه واضحا، إلاّ ان تغيّرات الصبي لاسم وأهداف الجمعية، ولهيأتها الادارية، وشعارها، وبيرقها، هو غير مفهوم لعقل الشخص الذي حلم ذلك الحلم، فظل يتساءل مع نفسه: هل كنت أحلم، أم ان البرد الصقيعي قد صوّر لي الأشياء هكذا؟

حمد الله وشكره كثيرا لأنه لم يكن الصبي ذاك. فالنائم، الحالم، لم تكن عنده جمعية كجمعية “العتاڴه” العراقية التعاونية، ولا هو رئيسها. ولا كان دائما يغيّر في هيأتها الادارية، وفي شعارها، وبيرقها. انه فقط رأى كل هذا عندما كان نائما في جو بارد صقيعي غير متدثّر، كان عليه فقط أن ينذر الناس ويحذّرهم من هذا الصبي اللعوب.

عرض مقالات: