في كتاب عادل الياسري (النهر موقد الماء) والتي صدرت طبعته الأولى عن دار تموز ديموزي للطباعة والنشر، دمشق 2021، يتكون من قصيدة واحدة مكثفة تحمل اسم الكتاب. وتتضمن جوانب من سيرة الشاعر الشخصية وتحديدا نشأته. يحدد الشاعر منذ البداية مكانة السيرة أو السيرية بـ (نهر الفتلاوي) موضحا في الهامش صورة النهر الذي يمر بأراضي القرية التي ولد فيها، ثم يدخل في تفاصيل المكان مبتدأ بالنخلة وهي رمز مهم في القرية وتعني الثمر والشموخ والظل ...

“ تمدُ النخلة التي قربكم عنقها للأرض، هل تسلّمت رسالتها؟

 وفاطمة التي كنت تلاحقها، تستظلان نخلتين

كانتا ترنوان للبعد خوف أن يراكما قادم”

ولا أدري لماذا جعل الشاعر فاطمة رمزا لفتيات القرية كما ورد في (هامش ص8)؟!

وجدت أن الهامش التوضيحي لا ضرورة له. لكن النخلة تبقى حاضرة في سيرة الشاعر.

“ رأتكما على البعد في جلسة بين اثنتين من النخل

نادت على ابنتها، الصفعات زخت مطرا على رأس

العشيقة”

هذا المقطع يبين ثقافة المجتمع الريفي في الخمسينيات: طقوس العشق بين الشاب

والشابة وموقف الأهل وهم يراقبون بناتهم وأبنائهم، والطريقة العنفية في معالجة الخروج عن الأعراف الاجتماعية.

ويفصل الشاعر في رموز المكان الذي ولد فيه؛ شجر الرمان، الصفصاف،  الدروب، النهر، المضيف، وكلها ليست بعيدة عن الزمان الذي يشكل الحركة في النص فالأيام تفعل فعلها وتشكل علامة واضحة بين طفولة الشاعر و(كبار الجالسين في مضيفهم) الذين كان يخشاهم ثم صار ندا لهم في الكبر... ويتمثل الزمان في طفولته وهو السنة الرابعة ورحيل والده، ويتناول لعبة الطفولة التي أفقدته أحدى عينيه (مرآته اليسار) لكن هذا الحادث المؤلم لم يفقده الأمل بل زاده اصرارا على الحياة والإبداع:

“ولم ينحن جذع نخلتك..،

اليمين غدا عندك مرآتين،

غدوت ترى الذي لن يراه غيرك، نبوءتك التي

أحسست منذ الصبا رافقت ابريقك المليء بالمطر

المنساب من غمامة الحياة،

حزت على السبق.”

وهكذا تجاوز الشاعر محنته وهو صغير، وسار في الحياة دون رجعة ولم تتعثر خطاه. ورأيت أن الشاعر كرر هذه الذكرى في أكثر من مكان في قصيدته وعلى الرغم من أن خاله الذي كان يسميه (أبي) لكبر سنه  لم يشجعه بل كان مترددا لكنه لم يمنعه من قول الشعر:

“ يا ابني.. إني توسمتك ميالا، هب لنفسك المساحة..

الشعر يدعوك.. أطرق بابه، سوف لا توصدها

الجنُ، لكنني في البدء نصيحتي ألاّ

تكون شاعرا، لأني ما عرفت شاعرا غنيَّا”  

لكنه لم يصغ لتلك الوصية “ وأمسك الصولجان منذ اليفاعة”  غادر طفولته الرتيبة في القرية وبدأ عتبة جديدة للوصول إلى عالم أكبر عالم المدن والحضارة.

“ في غفلة طوى العود الطفولة دونما متعة،

لا ذكريات لها رائحة البرتقال

الصبا عتبة أولى للولوج إلى المدن الأخرى.. مدنا

تراها، أضواؤها في البعض نجوما، وفي الأخرى

سماوات بها شموس”

ويوظف الشاعر الحوار الداخلي في قصيدته ويكشف من خلال عبارات مكثفة تعد مدخلا لطرح فكرة استرجاعية مثل: “ شاورت ذاتك”  أو مخاطبتك لظلك: “ استدرت لظلك سائلا، هل هذا أنا أيها الظل، أين شمسي؟ هل أحرقت النار قرصها” ويجعل الظل يحكي: انبرى الظلُّ: أنت الاله الذي لم ينزل الماء عن بطر...” وبهذه المدخلات يعود استرجاعا إلى قريته التي علمته “ النبوءة، وأطياف النساء راودت” رأسه. ويتواصل مع الذكريات وعشقه الأول, ثم يعود بذكرياته إلى باب الحسين قلب الحلة ويتذكر أصدقاءه؛ الشاعر موفق محمد والباحث ناجح المعموري، والشاعر شريف الزميلي وهؤلاء وغيرهم رموز المدينة التي أحبها مكانه الآخر بعد القرية التي ظلت في ذاكرته ويتعايش مع المكان الجديد برموزه الانسانية وعوالمه التي لم تكن طارئة؛ الشط والجسر لكنه لا ينسى “أرض الشط وملاها” ويسترسل وهو يحفر في ذاكرته الروابط ما بين مسقط الرأس وبين الحلة التي ترعرع فيها تجسيدا للسيرية الذاتية في القصيدة وهي: “ قول ذو نزعة سردية یسجل فیه الشاعر شكلاً من أشكال سیرته الذاتية، تظهر فيه الذات الشعرية الساردة بضمیرها الأول متمركزة حول محورها الأنويّ، ومعبرة عن حوادثها وحكاياتها عبر أمكنة وأزمنة وتسمیات لها حضورها الواقعي خارج میدان المتخیل الشعري... یؤكد فیه الشاعر وعلى نحو ما المرجعيات الزمنية أو المكانیة أو الشخصانیة للحوادث والحكايات التي تتضمنها القصيدة... إذ تتمركز السیرة الذاتية في قصیدة واحدة، یشترط أن تكون طويلة بحیث تعطي صورة واضحة تعكس طبيعة الترتيب التصاعدي على مستويات السرد أو الحدث أو الفضاء، أو في مجموعة قصائد تشكل مجموعة شعریة واحدة... كما لا یشترط في ذلك التزام نوع شعري معین” وعلى وفق هذا التنظير وجدت ان ما كتبه عادل الياسري يشكل قصيدة واحدة طويلة نسبيا تضمنت كل ما ذكر من مرجعيات. ووجدت أحداثها متصاعدة ربما لم تستوعب كل التجربة لكنها أعطت صورة راكزة مكانيا وزمانيا وفيها من الأحداث والعواطف والمشاعر الجياشة اتجاه المكان المرتبطة بحالة انتقال الشاعر والزمان المصاحب للحاضر والماضي والمستقبل. ووجدت”أن القصيدة (السيرذاتية) لا تسعى إلى ضبط انسجام الحياة، وإنما إلى إعادة تشغيل «طاقة التبديد الأسلوبي»، وهي لا تدعي دقةً ما للوقائع، بل أصالةً ناتجة عن «ارتعاش الملفوظ». ومن ثمة، لا يمكننا أن نُفكر في غيرية الذات بدون أن ندرس رهانات [غير شكلية]” وهذا ما فعله فلم يغرق في نهج الواقعية ويجعل من قصيدته حكاية، كما لم يغوص في  اسلوب غامض ويترك القارئ يعوم في بحر لا قرار له من التعتيم والمسميات والغرابة مما يفقد قصيدة السيرة طابعها. مما جعلني أختلف معه في وضع هوامش تعريفية لا حاجة لها إذ لم يترك للقارئ ما يمكن أن يسأل عنه.

   ويعبر الشاعر عن التصاقه بمدينته على الرغم من رحلاته الكثيرة في أرجاء العالم؛ “سجلت به صورا لإسطنبول وباكو وباريس وبيروت وطهران ومدن أخرى..

الحلة صورتك الأخيرة التي لن تفارقك، لا أنت

تفارقها، هي العشيقة التي منحتك دفأها،

واختارت لك اسما به الآخرون يقرأونك”

ويتذكر السنوات التي عاشها في المدحتية موظفا في أحدى دوائرها ومتعايشا مع عدد من عوائلها، وقبلها في أحياء الحلة القديمة ... ولم ينس الشخصيات التي تكررت في جوانب قصيدته مثل علوان الحبيب، والمعموري والنخلة والشمس وشط ملا، وشخصيات القرية؛ شعلان وابنه وكاظم المهدي، والعجوز التي تقص الأساطير والحكايات، وجدته التي علمته القصص والحكايات، والمعلم جاسم، والشهداء؛ “الجفّات” و”معن” و”القريمط”.

لقد نجح الشاعر عادل الياسري من خلال الزمكان والشخصيات والعشق لكل المسميات التي ذكرتها أن يكتب صورة جميلة عن سيرته الذاتية في قصيدة مكثفة، مبتعدا أحيانا عن الشعرية والموسيقى الداخلية التي تطلبها القصيدة الحديثة.

عرض مقالات: