1- يفرز أمين قاسم الموسوي في كتابه (سرد ونقد) ما يخص عوالم السرد الفني عن سواها، بما تشتمل عليه من توريات وطباق وجناس في البديع أو في أساليب (البيان) الحقّة لا المتكلفة الزائفة، ويقف الموسوي متأملاً الذخيرة اللغوية (الألسنية) لدى الروائيين والقصاصين في صورهم الفنية ومضامينها الفكرية والاجتماعية وصولاً الى دقة المعنى بجمل فصيحة أو جمل موحية في نحوها وصرفها، ويشير الى الأدب النسوي (السردي) وبعضٍ من أعلامة من النساء مثل لطفية الدليمي وهدية حسين وميسلون هادي وانعام كجه جي ونعيمة مجيد وصبيحة شُبّر..

يتناول في البدء رواية (ضياع في حفر الباطن) لعبد الكريم العبيدي، التي ذكّرت الموسوي بــ (ضياع في سوهو) لكولن ولسن بوصفه (ضياع وجودي كوني)، فبطل حفر الباطن يؤخذ محمولاً بعد أسره في حافلة مع أسرى عراقيين فيجره ضابط من ياقته ويرميه كالبهائم ص13، في جَوّ تتلاقفه محارق الطائفية بعد الأحتلال الأمريكي، وحين يتناول الموسوي رواية (نسكافيه مع الشريف الرضي) للمغتربة ميّادة خليل وهي مترجِمة للأدب الألماني والهولندي والإنكليزي، يباشر الموسوي من العنوان الذي يحيلنا الى فاصل زمني يمتد اكثر من الف سنة عن زمن الشريف الرضي الذي تحتفظ البطلة سلمى بديوانه المهدى اليها من والدها، وقد بات الديوان – كما يقول الموسوي – معادلاً موضوعياً لـِ (غربتها)، وكان زوجها الأجنبي (دافيد) معجباً بقصائد رامبو، فرلين، فاليري، ويلذّ له سماع قصائد الرضي منطوقة بالعربية بموسيقاها الشعرية علَّه يلتقط بعضاً من المعنى، حتى أن صديقتها آمنة باتت تهوى الديوان متأثرة بــ (سلمى)، وكانت الثيمة المركزية تعبر عن ذلك التلاقح الحضاري بين الشعوب من خلال الأدب والتثاقف والتطلع الى قيم الحرية والأنسانية بين الشعوب.

وفي تناوله الرواية (ساعة بغداد – لشهد الراوي) التي لشعبيتها تعددت طبعاتها كثيراً، فالساعة زمان وبغداد مكان، والثواني تقتنص ما يجري من تفاعلات في قاع المدينة (بغداد) التي سبق أن دخلها هولاكو ولكنها لم تسقط بل تعثرت ثم نهضت ثانية، ويلمح الكاتب الى إدانة بطلة الرواية لشخصية (مروة) بوق النظام، الانتهازية التي تنتهي عميلةً للأمريكان، كما أدانت البطلة مظاهر الفساد تحت غطاءِ ديني، كما أدانت البطلة مظاهر الفساد كآغتصاب البيوت والكتابة على ابوابها (هذا من فضل ربي)، والرواية تخاطب جمهوراً واسعاً غير مقتصرة على نخبة محدودةً.

2- أما رواية (وحدها شجرة الرمان) للكاتب العراقي المغترب سنان انطوان، فأن الموسوي يجدها قريبة من رواية (فرانكشتاين في بغداد) اذ تجمعهما وحدة الموضوع، بعد الأحتلال والطائفية وقد كانت شخصية (فرانكشتاين) نتاج ثقافة غربية صيّرها (سعداوي) عراقية بغدادية وأطلق عليها اسم (الشسمه) الذي جُبل كيانٌه من مسخ مركب من أَجزاء ضحايا الانفجارات، ويخلص الموسوي الى أن سعداوي كان يائساً من وجود مخلص واقعي فلجأ الى إِحياء ميت، أما رواية "وحدها شجرة الرمان" فقد رصدت قاع المجتمع بعد سقوط النظام، فبات الموت هو ساعي البريد والقبر هو القارئ الأخير، وقد جمع الروائي بين الفصيح والعامي المهذب، وقد سرد علاقة البطل بــ (ريم) الغنية وبيداء الفقيرة، كما جسَّد الكوابيس بعد ما رأى ما تفعله الكلاب السائبة بجثث الجنود قرب البصرة، كل ذلك يحدث بأسم المبادئ والقيم حتى أن الموسوي يتذكر قول الشاعر النواب (مخاطباً الامام علياً (ع)): [ لو جئت الآن لحاربك الداعون إِليك وسمّوكَ شيوعيا] ويضيف: (هذا المعنى نفسه هو ما ذهب اليه د. عقيل مهدي يوسف في مسرحيته (الحسين في غربته): (ما كلّ مَن يبكيكَ يعرفك) ص47. ويختتم قراءَته للرواية فيرى أن شجرة الرمان تُسقى من ماء غسيل الموتى، لكنها تمنح ثمارها، وتبقى خضراء موُرقة كي تسعد الأنسان رغم مأساوية ما يحيط به، ثم يتناول بقراءة جادة رواية (تراتيل لموت حر لصادق الجمل) التي تدور ثيمتها حول جرائم داعش التي تتخِذ من الدين ستاراً، ويتابع معاناة البطل (مظفر) الأسير لدى الدواعش ومعه الأسيرة السورية  (نهلة)، و(مزهر) الداعشي النادم على داعشيته، وهم يبحثون عن سبل للنجاة، فعنوان النص يضيء بُنيته الداخلية في ابرار قيمة الحرية، وموت الانسان في سبيلها، ويجد الموسوي خطوطاً روائية متوازية، يتوازى مع (أوراد) زوجة مظفر الباحثة عن زوجها، و(الأجعد) المنحرف الذي يشوه جمال نهلة برمي التيزاب على وجهها، وهذا يتوازى مع (الأشيب) الوطني النبيل، ويرى الموسوي أن الروائي نجح في تقديم مشاهد (ايروسية) ووجد أن الأنا الثانية للمؤلف (الجمل) فضحت حقائق خرافات الدواعش وانحرافاتهم.

3- أما رواية (هِتلّية لشوقي كريم حسن)، فيرى الموسوي أن الروائي انفتح أسلوبياً على واقعيةً سحريةً يختلط فيها الواقعي بالمتخيل وتتداخل فيها الأزمنة، وتفوح منها روائح ايروسية ويعبر الروائي عن ذاته وانتمائه بقول (أنا كائن يهذي .. ممتحن بالخيال) أما أنتماؤه فهو ابن الفقراء الساخطين على الباشوات الاغنياء، وربما يشير الناقد الى الرواي العليم إِذا أن الرؤائي وقد عاش تجربة السجن، فأراد أن يتماهى مع بطل روايته ليفضح سفالات المحققين والتعذيب حتى الموت، ويرى الناقد أن الروائي كان يقحم العامية في سياق الفصيحه بلغة غنية بمجازاتها وانثيال خيالٍ معبر عما يدور من أسلئة حاشدة تمور في أعماق النفس البشرية.

أما رواية "الذئاب على الأبواب" لأِحمد خلف، فأن بطلها يوسف النجاريعري الأشرار الذين فجّروا بيته لأسباب طائفية وقتلوا زوجته وابنته بطريقة مأساوية، وهو ضحية حرب عبثية وشخصيته تمثل الرواي العليم، وصفاته تمثل أحمد خلف في بعض المشاهد والمواقف السردية، أو كأنه يمثل الشعب العراقي، ولا ينسى الموسوي الرواية النسوية "أنثى غجرية" للدكتور رسول محمد رسول ويرى أن صفة الغجرية لبطلة الرواية العراقية البصرية المسيحية جاءت لكونها انتلقت من مكان الى مكان، وقد تعددت الأمكنة مابين بغداد والبصرة وعَمّان ودمشق والمغرب حتى باريس، مع هذا الانتقال من مكان الى آخر، فأنها كانت تحافظ على عفتها وحريتها وكرامتها، كما يتناول الموسوي رواية (عن لاشيء يحكي) لِطه حامِد الشبيب، وهي علامة فارقة في السرد العراقي وقد جاء الروي على لساان حمادي الأعمى، فهو يحكي عن طريق مخيلته للتعويض عن عماه، فيَرى ما لا يٌرى ببصيرته وعصاه.

إن هذا المنجز (سرد ونقد) يمثل انجازاً تطبيقياً في السرد العراقي فقد تناول روايات وقصصاً قصيرة وقصصاً قصيرة جداً، وكشف ما فيها من ابداع، كما تناول الرواية النسوية تأليفاً، ميادة خليل وسمرقند الجابري، وموضوعاً، "انثى غجرية" للدكتور رسول محمد رسول وربما يكتسب الكتاب قيمته بما فيه من تطبيق وكشف واضاءة لما يجب أن يضاء.

عرض مقالات: