لم تحفظ ذاكرته انطباعاً طيباً عن تطبيقات العنف المسلح وخطابات أركانه منفوخي الأوداج. حرص بمقابله على أن تكون ثقافته سلمية بيضاء جعلت خطابه مع الآخرين شفيفاً وضاءً، ولغته أثيرة الوقع في قلوب محدّثيه. كان ذكر “انقلاب “ يلزمه أن يمكث أياماً في عزلة عن الناس .الحالة في تكرارها أخذت بعداً نفسياّ أكثر منه جسدياً وتصالح مع نفسه في سياق الانعكاس المرضي من دون أن يترك أثراً يدلّ الآخرين على ثغرةٍ في لوحته السائدة بينهم. كانت مساحة الانقلاب محصورة بين الجيش والسياسة لكن ما أقدم عليه كوفيد19 كان مفارقاً فقد قلب الطاولة على رأس الإنسان في انقلاب صحي شديد القسوة والتركيز . بين نوبات الهلع والترقب استباحت قوة من” كوفيد 19 “ حرمة منزله وهتكت نظامه الصحي واستوطنت جهاز التنفس عند زوجته. مضت عشرة أيام وتعافت من المرض لكن الفايروس قبل نفوقه أصاب أجهزة حيوية مهمة في جسدها ..مضت ستة شهور وهي لا تبرح فراش المرض. نظر في عينيها وهي مستلقية تنظر إليه تفاقمت شكوكه بعد ان رأى خطوطاً سوداء تحت عينيها، و استسلاماً غريباً فيهما، فتعذر عليه أن يقرأ أسرار عينيها كما هو معتاد في سنوات مضت . ركّز نظرته عسى أن يجد فهماً أكثر لتلك الحيرة المنسدلة على محياها الذابل. أحس برجفة أنتابت مفاصلها وحبات تتبع بعضها ببطء من عرق حبيس على صفحة جبينها وغطت في نوم عميق. أوهمته التداعيات المتلاحقة بأن الحالة تنذر بالسوء. ظل جالساً عند رأسها حتى أذان الفجر لم يبرحه القلق والخوف .. ما أن تناهى صوت الأذان الى سمعها حتى نهضت على عجل. نظرت إليه جالساً عند رأسها : لم تنم ليلتك إذاً؟ جعل ابتسامته رسالة حب لقلبها المتراجع.. نهضت من الفراش بقوة وصلابة: لا تقلق أني شفيت تماماً. فقد حرستني عيناك من انقلاب اسود وشيك في حياتي.

عرض مقالات: