تنبثق المنظمات عامة وتتكون نتيجة لظروف عديدة منها موضوعية وأخرى ذاتية. في المفهوم الديمقراطي فإن للعوامل الموضوعية، التي تدفع وتضطر مجموعة ما للتشكل، الأرجحية على العوامل الذاتية. من هنا نجد إن الكثير من الأحزاب السياسية تحرص بشدة حين تحاول تبرير وجودها أن تؤكد على ما أصبح يسمى بالضرورة التاريخية لوجودها مفصلة الظروف الموضوعية التي أدت أو رافقت ولادتها.

إننا في المواجهة ما بين الظروف الموضوعية والظروف الذاتية في دراسة وجود منظمة سياسية ما نجد:

- إن الظروف الموضوعية حين تكون هي العامل الأكثر حسما في ولادة وانبثاق منظمة ما فإنها سوف تطبعها حتما بطابعها التاريخي. بمعنى إن المنظمة بالقدر الذي تكون فيه استجابة للحاجة التي تفرضها مرحلة ما سوف تحمل سمات وميزات هذه المرحلة وحتى يمكن أن تكون دالة تاريخية عليها حين يراد دراستها. لذلك فإن الكثير من المؤرخين يعودون إلى برامج وأنظمة أحزاب سياسية معينة لدراسة مرحلة ما كانت قد ولدت ونمت فيها هذه الأحزاب.

- إن الأحزاب السياسية التي تولد استجابة لظروف موضوعية تكون عادة أطول عمرا من تلك التي تولد لأسباب ذاتية. فالغالب في الظرف الموضوعي الاستطالة والتمدد على حساب الظروف الذاتية. بل بالإمكان ملاحظة إن الظرف الموضوعي في مرحلة تاريخية محددة يمر من خلال الكثير من الظروف الذاتية ويتجاوزها.. وحتى أن الظرف الموضوعي غالبا ما يخلق بنيته التحتية بشكل كم هائل من الظروف الذاتية ثم ما يلبث أن يجهز عليها بعد أدائها ما كان مرسوما لها من قبله ليخلق غيرها وهكذا. لكن لهذا المعطى الفلسفي أبعاد أخرى لا مجال لها هنا ونكتفي به وحده.

- إلا أن الظرف الموضوعي هذا في خلقه للعناصر الذاتية وتجاوزها بعد إجهازه عليها يتأثر هو بها.. فهي تفعل فيه فعلها وتنهش من طاقاته وتتسبب في إضعافه وتساهم مع عناصر أخرى عديدة في تغييره بالكامل تغييرا نوعيا فيقال حينذاك عن انتقال لظرف موضوعي جديد يختلف نوعا عن سابقه.

- لذلك ومثلما أشرنا أعلاه في كل الحالات فإن ما يولد لسبب موضوعي هو ليس فقط أطول عمرا بل هو أفضل نوعا وأكثر صحة وعافية. ذلك لأن الظرف الذاتي في ولادة حزب ما أو منظمة سياسية ما يكون عادة من قبيل قرار فردي أو لحاجة ذاتية مؤقتة أو استجابة لظرف موضوعي لكنه طارئ، قصير وعابر. من هنا فإن مثل هذه الاستجابات (على شكل منظمات مثلا) تكون قصيرة العمر ومؤقتة وغير فاعلة في المجتمع بل أحيانا تكون ضارة.

- وهناك ولادة لأحزاب سياسية تأتي نتيجة لقناعات فكرية أو فلسفية ومبدئية لكن دون الالتفات للظرف الموضوعي.. ففي الرؤيا الزمنية الشاملة غير المحدودة وللوجود القومي أو الإنساني التي تتجاوز بحدودها الزمان والمكان المعاشين تكون الأحزاب قد تشكلت ذاتيا أي لظروف ذاتية – قناعات – دون الاعتبار للظروف الموضوعية لذلك غالبا ما تكون هذه المنظمات إما سرية أو تتلبس أغطية غريبة تؤدي إلى عزلها عن المجتمع وقد تكون منظمات أقليات ونخب ومكاتب.

لكن السؤال المهم هنا هو أيهما أكثر ديمقراطية؟؟ الاستجابة للظرف الموضوعي الضاغط القاهر مع ما في ذلك من إذعان أم للظرف الذاتي مع ما فيه من حرية شخصية ومبادرة وإرادة. ومعلوم ما للإرادة الذاتية والتطبيقات النابعة عنها من قيمة أصيلة في الفهم الديمقراطي. بل أحيانا – وهذا ما يزيد الأمر تعقيدا- يكون التحرر من الضاغط الموضوعي والتحليق في عوالم الذات نوعا من الحاجة الإنسانية ونوعا من التحرر. فعلى سبيل المثال يكمن الفارق النوعي بين الأدب – والفن عموما – الواقعي خاصة التسجيلي منه والأدب الرومانسي هو إن الأخير يضيف على أجوائه الكثير من ملكات الخيال مما يغني قدرات النص أو العمل الفني التعبيرية والتصويرية وسيعني أن الأديب أو الفنان يمارس حرية التحليق بخياله بعيدا عن قيود أو شروط الواقع الثقيلة. وكذلك الحال بالنسبة للفلسفة فبانطلاقها خارج حدود الواقع الذي يعيشه الفيلسوف ليشمل كل الوجود البشري منذ بداياته مرورا بواقعه الحالي وصولا لآفاق قد تبدو قادمة لكنها بعيدة.. في الحالتين – الأدب والفلسفة – نحن أمام أجواء التحليق الفكري الخلاق والحر في آن واحد. فلنعد كرة أخرى للمقاربة: هل إن القرار الذاتي أم الاستجابة للظرف الموضوعي في تشكيل المنظمة السياسية بكل ما في ذلك من أبعاد ذات أهمية قصوى هو الأكثر ديمقراطية؟؟ في تقديري إن بالإمكان أن نجمع بين الاثنين.. فالاستجابة للظرف الموضوعي يزود المنظمة بالبعد التاريخي والواقعي ويجنبها مخاطر النزوات والرغبات الذاتية والمصالح الأنانية الفئوية لكن العمل على تغيير الواقع وتغيير هذه الظروف الموضوعية – وطابعها السلبي تحديدا – يجعل من الضروري بمكان شحذ كل إمكانيات الجانب الذاتي من رؤيا مستقبلية لواقع جديد بما يسمى بالمشروع البديل لما هو قائم إلى تجنيد طاقات الأعضاء عن طريق استفزازها وأحيانا تثويرها متسلحين بما أشرنا إليه من قدرات التفكير الخلاق والمبدع حين مررنا بموضوعة الأدب والفن أو الفلسفة. ولا بد هنا من التنويه بثقل مسؤولية التفكير الحر أي ما سيؤدي إلى استكمال طرفي معادلة الإبداع السياسي ( الموضوعي + الذاتي = ولادة المنظمة السياسية ) إذ إن خطورة الأمر تكمن في تحليق التفكير بعيدا وفي آفاق قد تنقطع بتاتا عن الواقع فنعثر على طروحات بعيدة المنال وأحيانا مستحيلة التحقيق مما سيجر وراءه الكثير من التكاليف الزمنية وما يرافقها من تضحيات ربما حتى رمزية ( أنظر في ذلك مثلا طروحات الكثير من الأحزاب السياسية العراقية الأساسية في الحياة السياسية التي بسبب رومانسيتها وابتعادها عن الواقع لم تتمكن من الوصول إلى أي شئ من غاياتها ناهيك عن الخسائر الهائلة التي تحملها المجتمع جراء نشاطها هذا ومن أشكال الخسائر الهائلة إن المجتمع تعرض إلى نكسات تاريخية عادت به إلى الوراء حقبا زمنية طويلة بدلا من دفعه إلى الأمام – والعجيب أنه يستوي في ذلك الأحزاب اليسارية التقدمية واليمينية الرجعية على حد سواء ). إن الإبداع الحقيقي في ولادة المنظمة السياسية يكمن في الجمع الواعي بين الظروف الموضوعية وبين ما هو ذاتي وفي تحديد سمات الواقع تحديدا دقيقا وعلميا ومن ثم تسخير القوى الذاتية في وضع البديل الممكن والواقعي أي القابل للتحقيق.

إن تطوير الواقع ديمقراطيا يعني قبل كل شيء تشخيص الخلل والعمل على تفتيته وإزاحته. لكن آلية المجيء بالبديل لا تكون آلية قسرية بل تقوم على أساس الكشف عما ينطوي عليه الواقع نفسه من طاقات وإمكانيات ممكنة التحوير والتشكل لاستيلادها واقعا جديدا. ثم إن هذا الواقع الجديد لا يلد مرة واحدة كاملا جاهزا إنما يهبط أجزاء متتالية وشيئا فشيئا وكجزء جديد يغادر رحم الماضي يمهد أو على الأقل يساعد على ولادة الجزء التالي وما هو مفرح في فلسفة التطور هو أن الولادات الجديدة تشق طريقها بإصرار وعناد في مقارعة القديم لتتشكل بشكلها الجديد وبما لا عودة عنه وهي أيضا تحتوي في داخلها بذور عوالم جديدة قادمة أكثر حداثة منها تنتظر الظروف الملائمة لمغادرة رحم الظاهرة التي أصبحت قديمة. إن المنظمة الديمقراطية هي التي ترفض القسرية في معالجة ولادات العالم الجديد باسم الثورة. ذلك لأن قوانين التطور كامنة في أعماق الظواهر تتطور تلقائيا بتأثير الظروف المتنوعة (الموضوعية والذاتية) وتولد طبيعيا بسلام ولكن لا يعني ذلك بدون جهد. فالمخاضات دائما تنطوي على آلام ما، لكنها الآلام التي سرعان ما تتحول إلى أفراح وسرور بالمولود الجديد في حين إن القسر والعنف حتى إذا ما أديا إلى ولادة جديدة فعلى ندرتها تولد مشوهة معوقة ضارة وكل ما تبدو عليه من صحة وعافية هي مظاهر خادعة زائفة تزول في أول سبب ممكن (أنظر في ذلك تجارب الأحزاب الثورية ووصولها إلى السلطة وحتى ما اعتبرته يوما ما إنجازا سرعان ما انهار معها مخلفين معا الخراب والدمار).

عرض مقالات: