إن القراءة المتأنية لمسودة برنامج الحزب الشيوعي العراقي المقترحة للمؤتمر الوطني الحادي عشر، تكشف للقارئ ما تناوله البرنامج من معالجات شملت جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، كذلك تبين الجهد الكبير المبذول من قبل لجنة الصياغة والتي سعت رغم الظروف المعقدة وغير الاعتيادية التي واجهتها، أن تتغلب على ذلك وتعد لنا مسودة مكثفة لبرنامج اعتمدت فيه على  برنامج المؤتمر العاشر السابق مع إضافة المقترحات والتعديلات الأولية لذوي الاختصاص، ويمكن أن نستشف من خلال الدراسة أن البرنامج يغطي مرحلة كاملة يمكن تسميتها وفق المنهج الماركسي، بمرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، حيث وضحت  مسودة البرنامج أسس بناء الدولة المدنية الديمقراطية على قاعدة العدالة الاجتماعية، وأشارت بوضوح إلى آفاق التقدم الاجتماعي .

إن مسودة البرنامج من وجه نظري يمكن أن تقسم إلى مسودتين تعالج كل منهما مرحلة محددة وتوضع  برنامجا لكل منهما ويمكن أن نطلق على المرحلة الاولى، مرحلة استعادة الاستقلال والسيادة الوطنية، ومن أول مهمامها القضاء على آثار الدكتاتورية الفاشية والاحتلال الامبريالي والمحاصصة الطائفية الجهوية والفساد والإرهاب، ويعتبر برنامج هذه المرحلة هو برنامج  الحد الا دنى، وهو برنامج الأهداف الآنية الممكن  تحقيقها خلال الأمد القريب، ويتضمن هذا البرنامج الديباجة والتي يمكن اعتبارها مقدمة البرنامج  والتي تبدأ من عبارة ( تأسس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار 1934 إلى نهاية السطر 12 بعبارة ، ورصيدهم النضالي). ومن ثم البدء في تسطير برنامجنا وفق النقاط التالية:

1- يناضل الحزب من أجل تخليص المجتمع من آثار السياسات التي خلفتها الديكتاتورية الفاشية والاحتلال الامبريالي ونظام المحاصصة والفساد والإرهاب، وتوظيف ثروات البلاد المادية والبشرية وقدرات الدولة لمعافاة الاقتصاد الوطني وتنميته والعمل على إقامة علاقات تكامل بين قطاع الدولة والقطاع الخاص، وإطلاق مبادرات لتطوير مختلف أشكال ألملكية العامة والخاصة والمختلطة والتعاونية، بما يستجيب لحاجات الاقتصاد الوطني ويحقق تنمية مستدامة.

2- يضع الحزب مكافحة الفساد من أولى أولوياته ويسعى إلى استرجاع أموال الشعب المنهوبة عبر بناء جهاز مستقل لمكافحة الفساد وتشريع قوانين رادعة للفاسدين والمفسدين.

3- يناضل الحزب من أجل توطيد النظام الاتحادي الفيدرالي، ويعتبر نظام الحكم الاتحادي، شكل الحكم المناسب للعراق، ويدعو إلى توطيد الحكم الفيدرالي في إقليم كردستان، ويرى الحزب أمكانية أن تشكيل أقاليم جديدة، مرهون بنضج الشروط الضرورية لذلك وفقاً لأحكام الدستور، على أن يجري تطمين المصالح والحاجات الحقيقية لأبناء المناطق المعنية، وأن يأتي تشكيل الاقاليم تعبيرا عن إرادتهم الحرة. ويناضل الحزب من أجل تطوير اللامركزية في مناطق العراق الأخرى بتعزيز صلاحيات المحافظات، ومعالجة المشكلات الناشئة في مجرى هذه العملية المتواصلة عبر الحوار والآليات الديمقراطية.

4- يقف الحزب، ويقف دائماً، ضد جميع أشكال الحكم الاستبدادي، والتسلط السياسي، والتمييز القومي والديني والطائفي، والتمييز ضد المرأة ومصادرة الحقوق والحريات العامة أو الخاصة. ويرفض أشكال التطرف والتعصب والإرهاب كافة، ويدعو إلى نبذها ويسعى إلى استبعادها من الحياة السياسية، واعتماد الأساليب السلمية والديمقراطية في حلّ المشكلات الاجتماعية والسياسية، ويناضل من أجل كفالة شرعية هذه الأساليب بالدستور وبقوة القانون.

5- يجمع الحزب بثبات بين القضية الوطنية وقضية الديمقراطية، وينظر إليهما في إطار وحدة لا تنفصم، فهو يعمل على إقامة نظام ديمقراطي اتحادي أساسه التعددية الفكرية والسياسية، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة، واحترام حقوق الإنسان، وضمان الحريات الشخصية والعامة، واعتماد مبدأ تكافؤ الفرص، وتأمين العدالة الاجتماعية، وبناء دولة القانون والمؤسسات، الدولة الديمقراطية العصرية كاملة السيادة.

6- يعمل، الحزب على صيانة وحدة نضال الشعب العراقي بجميع انتماءاته، ويشدد على تلبية حقوقه المشروعة، يرى في مبدأ المواطنة هو القاعدة الاساسية في محاربة الشوفينية وضيق الأفق القومي والنعرات الطائفية والعنصرية، ويدعو إلى التمسك بتقاليد شعبنا في التسامح والعيش المشترك والتكافل الاجتماعي ويؤكد الحزب ضرورة الوحدة الوطنية والتلاحم بين أبناء الشعب وسائر قواه ذات المصلحة في تحقيق الاستقلال الوطني والانتقال الديمقراطي.

7- يتمسك الحزب باحترام حقوق الإنسان، كما عبّر عنها الإعلان العالمي لحقوق الأنسان والمواثيق والمعاهدات الاخرى ذات العلاقة. ويعمل، في الوقت ذاته، على تكريس مفهوم المواطنة ومبدأ المساواة بين المواطنين، من دون التمييز بينهم على أساس الجنس أو العرق أو القومية أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الانتماء السياسي أو الوضع الاقتصادي أو الجذر الاجتماعي.

8- يدافع الحزب عن حقوق المرأة ومكتسباتها ويرفض التمييز ضدها، ويعمل على توسيع دورها وإسهامها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتوفير شروط ذلك عملياً بتنمية قدراتها وإفساح المجال واسعاً لتبوئها مراكز قيادية في الدولة والمجتمع، عبر إزالة جميع المعوقات وضمان الفرص الفعلية لتمتعها بالحقوق السياسية والمدنية والشخصية، وضمان الالتزام بجميع المواثيق الدولية المتعلقة بحماية حقوق المرأة والطفل.

9- يولي حزبنا الشيوعي اهتماماً خاصاً بالشبيبة، ويعمل من أجل ضمان تمتعهم الكامل بالحقوق والحريات المكفولة دستورياً في التنظيم والتعبير، ويسعى من أجل محاربة البطالة في صفوفهم وضمان مساواتهم في الفرص والأجور، وتهيئة مستلزمات حصولهم على التعليم والتدريب والتأهيل المهني، وتوفير شروط تطوير كفاءاتهم ومواهبهم الابداعية، ليساهموا في بناء العراق الجديد ودولته الديمقراطية العصرية.

10- يناضل الحزب من أجل سن قانون عادل للانتخابات وتطبيق قانون الأحزاب وتشكيل مفوضية مستقلة للانتخابات.

11- يدافع الحزب عن حقوق المرأة والحيف الذي يلحق بها عبر القوانين المجحفة التي

عطلت العديد من مواد قانون الاحوال الشخصية لعام 1959.

12- يرى الحزب أهمية بناء القوات المسلحة الوطنية وتسليحها لحماية حدود بلادنا ويدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة وحل المليشيات المسلحة وضبط السلاح المنفلت.

13- يعمل حزبنا من أجل ضمان حرية الثقافة والإبداع واحترام التعددية الفكرية والسياسية في ثقافتنا الوطنية والعمل على ازدهارها، ورعاية الثقافة والمثقفين.

14- ينحاز الحزب إلى عالم العمل وقيمه، وإلى العاملين بسواعدهم وفكرهم. وهو يرى أن الدفاع عن مصالح الفئات والشرائح الاجتماعية الأكثر تعرّضاً للتهميش والاضطهاد والاستغلال، هو الطريق المفضي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.

15- يدرك الحزب ما كشفت عنه مسيرة العولمة الرأسمالية من تكريس وتعميق للفوارق على صعيد الثروة والدخل، وحصرهما في أيدي قلة متضائلة على صعيد البلد الواحد وعلى الصعيد العالمي. وهو يعتبر نفسه جزءا من الحركة العالمية التي تناهض توظيف العولمة من جانب قوى الرأسمالية، كوسيلة لإدامة نظامها وتعظيم قدراتها وفرض إرادتها على العالم وشعوبه، عن طريق الضغط والابتزاز والعقوبات الاقتصادية والعنف السياسي والتدخل العسكري.

16- يناضل الحزب الشيوعي العراقي من أجل سلم وطيد في العالم عبر إقامة نظام للأمن العالمي الشامل، ونظام للأمن الاقليمي لمنطقة الشرق الاوسط يجعلها منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، بما يضمن درء خطر الحروب وتصفية الأسلحة النووية والكيمياوية والجرثومية ونزع السلاح.

اما برنامجنا الثاني فيتضمن سياستنا وأهدافنا البعيدة المدى، وأرى أن يحتوي مقدمة تبين كيفية تحقيق هذا البرنامج وذلك من خلال توضيح موقفنا من استلام السلطة السياسية عبر التحالف مع القوى المدنية والديمقراطية صاحبة المصلحة الحقيقة في بناء الدولة المدنية الديمقراطية واستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية السلمية عبر النضال السلمي بكافة اشكاله بما فيه الشكل البرلماني، ولابد من الإشارة إلى أن برنامجنا طويل الأمد هو ليس مرهونا بفترة زمنية ولكنه مرتبط بطبيعة ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي  في بلادنا والذي يؤدي بالضرورة إلى ولادة الحامل الاجتماعي القادر على التغيير الحقيقي من خلال قلب موازين القوى عبر الصراع الطبقي الاجتماعي السلمي، وسيكون الفصل الأول لهذا البرنامج هو ما ورد في المسودة من عنوان (في بناء الدولة والنظام السياسي)، ثم يتبعه في التسلسل الوارد مسودة البرنامج ليشكل برنامج الحزب البعيد المدى.

عرض مقالات: