عن ( دار سطور) العراقية صدر كتاب (هكذا تكلم العلوي) ، أعده وقدم له سعدون هليل ، وقد عرفناه واحداً من وجوه الحركة الثقافية العراقية بنشاطه أيام النظام الدكتاتوري السابق ، إذ كان يمد المثقفين بالنتاجات الممنوعة مستنسَخةً، متحدياً عقوبة الاعدام التي تنتظر من يقوم بنشاط كهذا ، وبعد التغيير نشط ببعض الاسهامات الثقافية، وبعض الحوارات التي أجراها مع وجوه لها دورها في البناء الثقافي (هكذا تكلم العلوي) اسهامة تستمد أهميتها من الجهد المبذول في مقالات للراحل العلوي من مصادر متفرقة في مجالات شتى.  تضيء بتنوعها الكثير من ابواب المعرفة التي طرقها العلوي، وتقدم صورة للذين فاتتهم فرصة الاطلاع على ما أنجزه العلوي، فيكسبون وقتاً ومالاً ويحكمون على شخصية العلوي في جوانب شتى ، ولعلّ أبرز ما خطر لي في أسلوب العلوي، لغته المشرقة التي تمتاز بالدقة والوضوح، فهو يأخذ على أدونيس استعمال مفهوم الثورة على حركات يصدق عليها مفهوم الانتفاضة، ويفرق بشكل دقيق بين( قومي ) و( قوماني) في مقالته ( نقد كتاب البابكية ) 17، ولم يكن الفرق بين المفهومين آنذاك شائعاً ومعروفاً بين أوساط المثقفين، ومما يدل على اهتمامه باللغة وتطور الفاظها ما أشار اليه في لفظة (إمام) في دلالتها القديمة والمعاصرة اذ هي في القديم تحمل دلالة سياسية دينية، فأصبحت ذات دلالة دينية غالباً. والعلوي في لغته وجوهر أفكاره شعبوي الاتجاه يريد الثقافة لأوسع الجماهير، لا نخبوية، فهو يقول: ( ... ثقافتنا الحالية المترجمة من الغربيين هي ثقافة شعارات وهتافات يطلقها المثقف حيث يكون قاعداً على أريكة وبجانبه علبة سجائر مستوردة ، وقنينة حمراء ، وقد يكتبها – الثقافة – أو يناقشها في قاعات النجوم الخمسة )9، كل ما قلناه عن لغته جعلها سلسة مفهومة بيسر حتى من قبل متلق لا رصيد له من ثقافة عميقة ، وهذه اللغة تعبر عن تركيب نفسية العلوي وانحيازه للطبقات المسحوقة ، وهو صريح مع قارئه ولا يخفي عدم معرفته ببعض ما يطالعه ، فهو يعلن أنه لم يتوصل الى معرفة ما يريده القطب الصوفي أبو مدين في قوله: ( الأرواح الرعاية والأشباح الوقاية ) 119، وهذا هو تواضع العلماء .

بقيت مسألة أخرى وددت الإشارة اليها بإيجاز، وهي: أصوفياً كان العلوي أم ماركسياً؟ وهي مسألة فيها ما فيها من الالتباس الكبير لِما بين الاتجاهين– الصوفي والماركسي - من تقاطع حاد، ولاشك أن حسم هذا الأمر، لابد أن يؤخذ مما كتب من نتاج معبر عن موقفه وفهمه لمجمل القضايا التي عالجها ، ولا يمكن أن نغض النظر عما كان يمارسه في حياته اليومية ، فهي ممارسات تلقي ضوء على مكنون شخصيته. أما نتاجه فهو بلا شك يعلن ماركسيته بصراحة لا تشوبها شائبة بقوله المثبت على غلاف الكتاب الأخير : ( أنا من أقول عن نفسي أنني ماركسي لا كانطي)، وقد يكون هذا مجرد قول، إذ لابد من تلمس المنهج الماركسي في ما كتب، وهذا أمر في غاية السهولة، لأن التحليل الماركسي هو الذي يسم كل كتاباته، فهو يرى: ( ... الحرب الأهلية بوصفها الوجه العسكري لصراع الطبقات داخل الأمة الواحدة ) 183 ، ويمدح المنهج الماركسي بقوله : (وفرت الماركسية بتفسيرها للتاريخ أداة بحث منهجي يستطيع الباحث استخدامها للوصول الى نتائج أدق مما حصل عليه سابقوه ) 66، أما الذين يصفونه بـ (المتصوف)، فهو وصف تنفيه كل كتاباته ، ولكن من أين جاء هذا الوصف الذي شاع على ألسن وكتابات كثيرين ؟ إن العلوي نفسه اشار الى ماركسيته ، والاعتراف سيد الأدلة إذا كان صادراً عن قناعة ، والمنهج الماركسي – كما ذكرت – كان أداة التحليل عنده ، أما سلوكه في حياته اليومية فقد كان متعففاً ، مكتفياً بما يديم الحياة، غير لاهث وراء بريق المال وبهرج الحياة ، وحوله جيوش من المسحوقين. وثمة وقائع في حياته تثبت هذا ، كإعطائه سجادة ثمينة أهداها له شقيقه حسن العلوي، واذا به يعطيها لعامل ( سائق) ، ربما كان يرى أنه يحتاجها اكثر منه. إذاً هي صفة التواضع والورع والزهد بمعناه اللغوي ، والتاريخ يخبرنا بشخصيات من هذا النوع ، كشخصية الشهيد عبد الكريم قاسم، وشخصية الثائر جيفارا الذي زهد بالسلطة وملذات الحياة وضحى بروحه من أجل الفقراء ، فهل تعد هذه الشخصيات صوفية، وللصوفيين فلسفة تختلف جذرياً عما تؤمن به الشخصيات التي ذكرنا، فالصوفي غارق في التجريد والمثالية والخيال، والعلوي ومن هم على شاكلته ينظرون بمنظار آخر مشدود الى الواقع الاجتماعي. وفي تاريخنا مثال رائع للتواضع والورع والاكتفاء بما يديم الحياة ذلك هو الامام علي (ع) فهو المثال الذهبي فكراً وأخلاقاً، وسيرة هادي العلوي تتماهى في اكثرها مع سيرة علي (ع) مع قناعته – العلوي – أن الامام علياً ( ... لم يكن يصدر في ما نقل عنه من اراء وحِكم عن ذهن تجريدي، لأنه وفقاً لمقاييس هذا العصر رجل سياسة ، ومناضل اجتماعي..)57 .

إن ألق الامام علي (ع) في هذا الجانب يكمن في سلوكه الرافض للاكتناز، والاكتفاء بما يديم الحياة، لذلك أصبح نجماً في سماء الإنسانية، اقتدى به العلوي وملايين من البشر.

 

عرض مقالات: