قبل أن أدخل في التفاصيل لا بد من طرح أسئلة تكون مقدمة منطقية لتناول وثيقة النظام الداخلي وستكون الإجابات اللاحقة على تلك الأسئلة هي الجزء الأهم من ملاحظاتي على مشروع النظام الداخلي.

-1 هل يجوز اعتماد وثيقة نظام داخلي صدرت من مؤتمر عقد قبل أربع سنوات أساسا لوثيقة نظام داخلي تصدر عن مؤتمر قادم؟ ومن المعروف أن هذه الوثيقة هي نتاج نفس الآلية في المؤتمرات السابقة للحزب ويعود هيكلها الأساسي إلى الهيكل الذي أعده الرفيق الراحل فهد معتمدا على الطريقة اللينينية في بناء الحزب الشيوعي.

-2 ان هذا المشروع لا يختلف عن النظام الداخلي الذي اقره المؤتمر العاشر سواء من حيث عدد المواد الذي اعتمده وهي (21) مادة ولا من حيث تسلسل تلك المواد وعناوينها ومضامينها. فما فائدة تشكيل لجنة إذا كانت مهمتها إعادة صياغة هذه الوثيقة على ضوء ملاحظات تقدمها المنظمات أو رفاق في المنظمات؟  إن مثل هذه المهمة يمكن أن يقوم بها رفيق واحد، لأن مهمة اللجان الحقيقية هي صياغة وثيقة نظام داخلي جديده تطرحها هذه اللجنة على التنظيم وخارج التنظيم لفتح نقاشات حولها، وليس مهمتها حذف هذه العبارة أو إضافة هذه الكلمة أو العبارة الواردة من ملاحظات متفرقة. فوثيقة النظام الداخلي تعكس حركة التنظيم الراهنة، أي في لحظة متحركة وليس إجراء حذف وإضافة هنا وهناك على وثيقة مضى عليها سنوات استندت إلى تصميم تجاوز عمره قرنا من الزمان، بعيدا عن حركة واقع الحزب التنظيمي الراهن.

-3 ان ما يزكي أي نص ومنها الوثائق هو الممارسة. فالوثيقة كما أكد الرفيق فهد هي “ علم يدرس ولا يصبح أي جزء من حقيقة إلا لدى اختباره في بودقة التطبيق “. فهل زكت وقائع حركة تنظيم حزبنا هذه الوثيقة؟ هل ساهمت هذه الوثيقة في “ رعاية مواهب أعضائه وإطلاق طاقات منظماته “ وفي “ تمسك جميع منظمات الحزب بمبدأ العمل الجماعي “ وفي تعزيز “ النقد والنقد الذاتي “ و “ مكافحة البيروقراطية في التعامل بين منظمات ورفاق الحزب “ وخلق الكادر؟ الخ من المهام الملقاة على الرفاق كما طرحتها الوثيقة كأهداف وهي منتشرة في جميع ثنايا الوثيقة. إن ما حصل في الغالب العكس تماما فتقارير (لتم) المقدمة إلى المجالس الاستشارية والرسائل الداخلية لاجتماعات اللجنة المركزية أكدت وبوضوح وصراحة أن هناك تراجعا في مختلف المفاصل التنظيمية والفكرية.

-4 هل ما يطرح هنا وهناك من تبريرات لهذا التراجع صحيح، مثل الجواب الجاهز بان الخلل في التطبيق وليس في النص؟ هل وصل بنا الأمر أن نبحث عن تبريرات وأجوبة جاهزة دون الغوص في الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الخلل؟

-5 لماذا فشلت كل محاولات قيادة الحزب ولجنة التنظيم المركزية (لتم) بالذات في معالجة ظواهر التراجع في العمل الحزبي؟ وهذا حصل قبل الانتفاضة والكورونا لكي لا يطرح هذان العاملان كمبرر مضاف إلى التبريرات السابقة. فكم ورشة عقدت تحت اشراف قيادة الحزب لمناقشة قضايا الكادر وتطوير استخدام وسائل التواصل في العمل الحزبي وكم دورة لاعداد وتطوير الكادر الخ من الجهوذ الكبيرة التي بذلت دون فائدة ملموسة تنعكس على عمل المنظمات.

-6 سبق لي ان طرحت رأيي في أكثر من مجلس استشاري، وفي ورش ولقاءات عديدة عقدت لدراسة أسباب التراجع الحاصل على مختلف الصعد الحزبية وقلت إن السبب يكمن في سياسة الحزب، ولا يكمن السبب في الجوانب الفنية.  والوثائق البرنامجية الصادرة عن المؤتمرات الثامن والتاسع والعاشر وطريقة صياغة تلك الوثائق مرتبطة أصلا بالرؤية السياسية للحزب بعد الاحتلال. وهذا هو السبب الحقيقي الذي يكمن في التراجع التدريجي لعمل الحزب منذ 2003، لان الشارع العراقي أدرك بحسه العفوي ان قادة البلد بعد 2003 ما هم الا أدوات فاسدة لمشاريع إقليمية ودولية، وأي قوة سياسية تتعامل معهم بصيغة أو بأخرى لن تجد لها صدى بين أوساط شعبنا. لهذا واجهت وثائقنا رغم الجهود المضنية في اعدادها، صعوبة واستحالة أحيانا في التطبيق وخصوصا برنامج حزبنا ونظامه الداخلي وتقريره السياسي. والنظام الداخلي بهيكليته الراهنة عاجز عن تحريك المنظمات وتفعيل عملها لتحقيق اهداف الحزب الكبيرة.

النظام الداخلي يتضمن (21) مادة ومن يدرس هذه المواد بدقة وموضوعية -أقول يدرس وليس يقرأ – فأنه سيكتشف أن في جميع هذه المواد فقرات كاملة لم تجد طريقها للتطبيق وأحيانا حصل العكس وأقصد حصلت خروقات غير قليلة للنظام الداخلي. وهذا يذكرني بأهمية ما طرحه الرفيق الراحل فهد “ التنظيم من أسس الحركة وليس لبابها فهو تابع لها مرتبط بنظريتها الثورية يتكيف وفق خططها وهو ككل علم يدرس ولا يصبح أي جزء من حقيقة إلا لدى اختباره في بودقة التطبيق وان التنظيم يتطور وينمو ويتكامل وفق سنة الديالكتيك. هو ككل شيء في الكون وفي المجتمع متحرك وغير منفصل عن الظروف المحيطة به “.

فلماذا واجهت فقرات النظام الداخلي هذا الاستعصاء في التطبيق؟ الا يعكس ذلك حاجة ماسة لاعادة النظر بصياغة وثيقة نظام داخلي تتميز بواقعيتها وسهولة تطبيقها وقدرتها على تحريك التنظيم؟

في السطور الاتية ساتناول ظاهرة الاستعصاء في النظام الداخلي في قسم من الفقرات ذات الأهمية البالغة كما أراها ولن اتناول جميع مواد النظام الداخلي لأن ذلك ما لا تحتمله هذه الورقة، والأدلة الملموسة على هذا الاستعصاء كثيرة لا مجال لذكرها.

الفقرة (ز) من المادة الأولى “ ممارسة النقد والنقد الذاتي ضمن الأطر التنظيمية”: لا انفي أن هناك ممارسة للنقد تحديدا هنا وهناك ولكنها في الغالب تأتي متأخرة وبعد استفحال الأمور ما تسبب خسارات غير قليلة للحزب، ولكن الإشكال في عدم ممارستها على الاطلاق في لحظات تاريخية سببت للحزب خسائر كبيرة. وان لدي عشرات الأمثلة وأغلب الرفاق لديهم منها ما هو أكثر.

الفقرة (6 ب) من المادة الأولى: (رجوع الهيئات القيادية إلى الرأي العام الحزبي عند بحث القضايا الأساسية المستجدة وذلك باجراء استفتاء داخلي وطرح الوثائق الخاصة بتلك القضايا للمناقشة الحزبية العامة قبل اتخاذ قرارات بشأنها) هل تم تطبيق هذه الفقرة؟ في تجربتي التحالف مع العراقية ومع التيار الصدري؟ الجواب لا والتبريرات غير مقنعة منها ضغط الوقت. ما جرى ليس الرجوع إلى الرأي العام الحزبي وانما اقتصر على مستوى معين من الهيئات، ولم تطرح أية وثائق ولم تتم أية مناقشات حزبية عامة قبل اتخاذ القرار. أما في تحالف سائرون فقد جرى الاستفتاء في بعض الحالات عن طريق التلفونات.

الفقرة (3 د) من المادة الأولى: (حق المنظمات الحزبية وأعضاء الحزب في الاعتراض على قرارات الهيئات القيادية ....... والهيئة القيادية ملزمة بالنظر فيه خلال شهر واحد من تاريخ استلامه ...) لا حاجة لي لكي أثبت أن الكثير من الرسائل تهمل ولا تتم الإجابة عليها أصلا، وقسم من الرسائل لا تصل إلى الهيئة التي وجهت اليها الرسالة وانما تحصر بين رفيقين أو ثلاثة من أعضاء م س بتبرير أن المكتب السياسي يمتلك حق توجيه الرسائل من عدمه وهذا ما حصل معي في أكثر من رسالة.

في المادة الأولى تعابير عامة وانشائية أكثر من كونها دليل عمل ملموس مثل ما ورد في الفقرة (5 د) “ اعتماد الشفافية .... وتوفير المعطيات الضرورية بما يمكن العضو من المساهمة في الحياة الحزبية الداخلية “ ويوجد مثل هذه العبارات ذات الطبيعة الانشائية الكثير الذي نجده في عدد من المواد والفقرات.

المادة 3 في حقوق عضو الحزب الفقرة (3) “ نشر وجهات نظره في القضايا الفكرية والسياسية في المنابر الإعلامية للحزب “ كما هو معروف تواجه بعض الكتابات اعتراضات وأحيانا يتم تجاهلها فيضطر أولئك الرفاق والأصدقاء إلى اللجوء إلى منابر أخرى للنشر أو ينشرونها على صفحاتهم في الفيس. وتترك هذه الحالة - ولا أريد أن أقول ظاهرة – ردود فعل سلبية من قبل بعض الأصدقاء والرفاق.

المادة 6 فقرة (2) “ يعد مستقيلا من الحزب كل من تخلى عن الالتزام بشروط العضوية “ هل طبقت بعض المنظمات هذه الفقرة؟ العكس يحصل أحيانا حيث يستدعى قسم من هؤلاء إلى المؤتمرات الانتخابية للإدلاء بأصواتهم كقوة تصويتية احتياط لدعم هذا أو ذاك من الرفاق رغم انهم لم يدفعوا بدل الاشتراك ولم يحضروا الاجتماعات الحزبية أصلا.

المادة 7 إجراءات الانضباط الحزبي: تواجه هذه المادة صعوبات جمة في التطبيق أولا وهناك خروقات أيضا تحصل.  فالمنظمات في الغالب لا تمارس هذه الإجراءات لأسباب عديدة، وفي بعض الحالات تتخذ بعض المنظمات إجراءات ضد أحد الأعضاء مثل طرد أحد الأعضاء، وتفاجأ المنظمة التي اتخذت قرار الطرد بأن هذا الرفيق تمت اعادته للحزب من قبل هيئة قيادية ورحل إلى منظمة أخرى دون علم منظمته الاصلية.

المادة 8 حقوق وواجبات الخلية: جميع فقرات هذه المادة تواجه استعصاءات في التطبيق فالخلايا بشكل عام تعاني من خلل في عملها ولا تنطبق عليها الصورة النموذجية الواردة في هذه المادة. 

المادة 9 (فقرة 5) الخاصة بالمنظمات الأساسية والمادة 10 (فقرة 4) الخاصة بالمنظمات الفرعية: “ تشرف اللجنة على نشاط أعضاء الحزب في المنظمات النقابية والمهنية والابداعية وغيرها من المنظمات غير الحكومية وعمل ممثليه في المجالس البلدية وتنظم عملية اختيار المرشحين عبر الآليات الديمقراطية “ هاتان الفقرتان رغم اهميتهما إلا أنهما لا تعدوان ان تكونا صورا نموذجية في الذهن إذ لا متابعة حقيقية في التطبيق.

المادة 11 الخاصة بالمنظمات المحلية (فقره 3) مهام اللجنة المحلية: معظم المهام لم تجد طريقها للتطبيق في معظم المحليات وخصوصا الفقرة (و) المتعلقة بتقوية صلات الحزب مع الجماهير وتشرف على نشاط أعضائها في المنظمات النقابية والمهنية والابداعية وغيرها من منظمات غير حكومية .....

المادة 14 المتعلقة بالية العلاقة بين الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني : بعد المواقف التي اتخذها الحزب الشيوعي الكردستاني وخصوصا موقفه من الاستفتاء والذي يتقاطع مع موقف الحزب الشيوعي العراقي ، واستنادا إلى مواقف كثيرة أخرى تشير إلى غلبة الروح القومية الضيقة لدى بعض أعضاء قيادة الحزب الشيوعي الكردستاني، ما يتطلب وقفة جديدة وصريحة مع رفاقنا في الحزب الشيوعي الكردستاني وأجد نفسي مضطرا إلى الاستعانة بما ورد في تقرير اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في اذار عام 1990 “ هذا لا يعني بطبيعة الحال إقامة حزب شيوعي على أساس قومي في كردستان العراق . فحزبنا الشيوعي العراقي نشأ وسيبقى حزبا امميا يضم المناضلين العرب والاكراد ومن الأقليات القومية ممن يؤمنون بالفكر الماركسي اللينيني ويكرسون حياتهم وطاقاتهم النضالية لخدمة قضية الطبقة العاملة العراقية وكل شغيلة اليد والفكر من أبناء شعبنا ..... إن الدعوة إلى إقامة حزب شيوعي كردي في العراق لا تعني غير تقسيم التنظيم الشيوعي في العراق على أساس قومي وإلحاق الضرر بالحركة الشيوعية”. اثبتت حركة الواقع في العراق بعد مرور أكثر من عشرين سنة على صحة تحليل اللجنة المركزية آنذاك، ولكن الظروف التي أعقبت عام 1990 وانهيار التجربة في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية وخضوع كردستان إلى قرارات مجلس الأمن ونيلها ما يشبه الاستقلال الحقيقي عن العراق إضافة إلى عوامل ذاتية تتعلق بإلحاح وإصرار بعض الرفاق الاكراد في قيادة الحزب قادت إلى تشكيل الحزب الشيوعي الكردستاني.

ان الفقرتين (1 و2) من المادة 14 صيغتا بشكل عمومي ولا تساعدان الرفاق بالخروج بنتائج ملموسة تعينهم على تحليل طبيعة العلاقة بين الحزبين الشيوعي العراقي والشيوعي الكردستاني، وتحتاج هذه المادة إعادة صياغة كاملة.

المادة 15 الخاصة بالتعددية القومية والدينية في المجتمع العراقي: هل اثبتت التجربة بعد المؤتمر العاشر جدوى تشكيل هيئات اختصاص لتطوير نشاط الحزب بين تلك المكونات. ما أعرفه أن صراعات غير مبررة لانها ذاتية الدوافع جرت بين أعضاء تلك المختصات سببت الكثير من الأضرار لحزبنا خصوصا في الانتخابات.

اعتقد ان هناك حاجة ماسة لاعداد نظام داخلي جديد يعد من قبل لجنة ، يتم طرحه على جميع المنظمات والأصدقاء وينشر في الجريدة للنقاش، يعيد النظر بهيكلية النظام الداخلي الحالي مستندا إلى المتغيرات الكثيرة التي طرأت سواء على اليسار العالمي أو على دور الأحزاب الشيوعية في ظل العولمة الرأسمالية، وتأخذ اللجنة بنظر الاعتبار الدور الكبير المنتظر والمؤمل لحزبنا الشيوعي العراقي بعد انكشاف الصراع التناحري الحقيقي في المجتمع العراقي، و فضائح وفظائع التحالف المهيمن من قوى الإسلام السياسي الشيعي والسني، والأحزاب المتلفعة “ بالعلمانية “ والأحزاب القومية الكردية وانحيازها المكشوف للكتل الفاسدة. إن الحاجة ماسة لنظام داخلي محدود الصفحات والمواد، لا يخوض في التفاصيل، الأهم فيه هو انيكون أساسا لبناء حزب جماهيري يمثل غالبية أبناء شعبنا يستند إلى الفكر الماركسي في تحليل الظواهر.

عرض مقالات: