يشير ملحم قربان في كتابه الموسوم (المنهجية والسياسة - دار الطليعة 1969) الى أن المنهجية مطلوبة في كل شيء سواء في العلوم او السياسة. ويعزي أسباب التباين في التحليلات الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية الى اختلاف المنهج المستخدم. فبدون منهج او مقاربة رصينة لاستقراء الظواهر في المشهد الاجتماعي او السياسي لتحليلها وفهمها من اجل رسم السياقات اللازمة للتعامل معها تتحول السياسة الى أشبه بمسرح خيال الظل لا يرى المتلقي الا شخوصا تتحرك وتتكلم وتتخاصم وتقيم علاقات مع بعضها البعض.

ولكن لمعرفة ما هو خلف ستارة المسرح هناك حاجة الى نموذج فلسفي نظري يتم الاعتماد عليه في التحليل خاصة وان النظرية هي وليدة الممارسة ومرشدها. وكل جديد في الممارسة يولد جديدا في النظرية والاخطاء، سواء النظرية منها او في الممارسة مهمة  لتصويب الاثنين عبر المقاربة النقدية خاصة في استشراف آفاق المستقبل وتشخيص الاحتمالات والمخاطر. ومن الأمثلة على النموذج الفلسفي النظري واستخدام المنهج المادي في دراسة الظواهر هو وصف وتحليل ماركس للمجتمع الرأسمالي. وكانت نقطة الانطلاق في كتابة راس المال هي استخدام المنهج الديالكتيكي الذي هو قضية معاصرة أيضا بسبب خاصية ف هذه المرحلة التي يمر فيها العالم وتنذر بانعطافات هامة في تاريخ الإنسانية.

والمقصود بمنهج الديالكتيك الماركسي هو التحليل النقدي للظواهر بترابطها وشموليتها، بتغيرها ونموها وتناقضاتها وما يحصل فيها من تغيرات كمية ونوعية وطفرات وتحولات. وهو جزء لا يتجزأ من الفلسفة الماركسية التي ترى كل ظواهر العالم في حالة تطور. اما المادية التأريخية فتنظر الى المجتمعات كشكل اجتماعي خاص لحركة المادة والذي بحد ذاته يتكون من ظواهر مختلفة لها صفات وقوانين تطور خاصة بها، يطلق عليها الماركسي الفرنسي الشهير لوي التوسر أسم البنية ( انظر كتابه الفلسفة بين العلم و الأيديولوجيا  منشورات أقلام 1973)  كالاقتصاد والقضاء واللغة والاسرة والثقافة على سبيل المثال والتي لا تأتي ذاتيا بل يخلقها الناس من خلال نشاطهم في العملية الإنتاجية.  ولذا فان المادية التاريخية كمنهج هي معرفة مجمل القوانين العامة لتطور المجتمع والتاريخ على النطاق العام، أي غير مرتبطة ببلد او مرحلة تاريخية محددة، والصلة المتبدلة بين مختلف ظواهرها  ومراحل تطورها التي تعجز عن كشفها المشاهدة العيانية الا اذا تم الاعتماد على التحليل الموضوعي للظاهرة الاجتماعية، مثلا تصدر الشباب والنساء  انتفاضة تشرين  مثلا، وهو موضوع يثير اهتمام العلوم الاجتماعية، او علوم التاريخ مثل منهج ول ديورانت مؤلف كتاب  (قصة الحضارة) الذي ينطلق من فلسفة مثالية  في تحليل نشوء وانهيار الحضارات العالمية. اما المنهج الديالكتيكي المادي فيرى ان العملية التاريخية كل واحد فيها قوانين عامة وقوى محركة  للتطور التاريخي.

وعلى سبيل المثال ففي العراق يهتم التحليل، الذي يتبع المنهج الماركسي النقدي، بالكشف عن تجليات القوانين العامة التي تكمن وراء تطور وتغير البنى الاجتماعية المختلفة منذ انتقال الانسان من مرحلة التقاط الثمار والصيد الى إقامة المشتركات القروية العائلية بعد اكتشاف الزراعة وتدجين الحيوانات قبل 10000 سنة في بلاد وادي الرافدين، ومن ثم نشوء المدن - الدول على ضفاف نهري دجلة والفرات في العهود السومرية وقيام الامبراطوريات الاكدية والبابلية والاشورية، وتشكل الدويلات في العراق على خلفية الصراع الفارسي اليوناني وصعود الامبراطورية الإسلامية بعد الفتوحات الإسلامية  في (637-651 ) التي كانت بغداد عاصمتها في العهود العباسية منذ 750 الى غزو التتار بغداد في عام 1258، ومن ثم تبعه الاحتلال العثماني حيث اصبح وادي الرافدين جزء من الإمبراطورية العثمانية

(1534- 1920)، ثم أصبحت احد ممتلكات الاستعمار البريطاني حتى قيام الدولة العراقية كأحد مقررات مؤتمر القاهرة في 1921 وقيام الحكم الملكي ومااعقبه من متغيرات تاريخية  حتى احتلال بغداد في 2003 وصولا الى اليوم.

في المنهج الماركسي يتم تقييم المرحلة التاريخية وما فيها من قوى محركة وتناقضات طبقية واجتماعية عبر تشخيص اشكال تطور قوى الإنتاج والعلاقا التي يقيمها البشر اثناء دخولهم في العملية الإنتاجية وما يترتب على ذلك من بنية فوقية في مجالات السياسة والفكر والقانون واللغة والاخلاق والدين، وتحديد الصلات العامة بين مختلف الظواهر( أنظر باري هنديس وبول هيرست: أنماط الإنتاج والتشكيلات الاجتماعية ونقد لأنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية، دار مكميلان بريس 1977)، بما يكشف عن وحدة وتنوع عملية التطور التاريخي في بلاد وادي الرافدين والروابط الداخلية التي تكتنفها، ويفتح  آفاقا للتحليل خاصة على صعيد الممارسة لا تقدمها علوم الاجتماع والتاريخ البرجوازي الذي يكتفي بالوصف. اما المنهج المادي الجدلي فيقدم امكانات التنبؤ المستقبلي الموضوعي الذي يفتح الطريق امام تغييره  باعتبار ان العملية التاريخية في جوهرها تطورية لان المجتمع هو احد اشكال  حركة المادة.

واذا تأملنا المشهد السياسي العراقي اليوم نجد أن هناك شبة اتفاق على فشل العملية السياسية منذ 2003  ونمو طغيان سلطوي اعتمد على المحاصصة والفساد وسرقة المال العام وتحطيم قطاعات الزراعة والصناعة وتكريس الاقتصاد الريعي المعتمد على عوائد النفط، يرافق كل ذلك تصاعد مؤشرات الإرهاب من التنظيمات السلفية التكفيرية  كداعش وأخواتها الى إرهاب السلاح المنفلت ضد الشباب المنتفض مع  تهميش معظم قطاعات  الشعب وازدياد البطالة والفقر وغير ذلك من التوصيفات للواقع العراقي.

ونجد ايضا ان معظم  البرامج السياسية والانتخابية متشابهة على العموم، ومعظمها من  شخوص الطغم السياسية الحاكمة، وهي مجرد استغفال فكري للمواطن العراقي وتوزيع احلام على شكل بطانيات ووعود بقطع أراض.

ونجد هذا ايضا بين اوساط واسعة من الشعب العراقي ممن يطالبون ببديل مدني او  علماني او عقد اتفاقات انتخابية ترسى على عالم من  الشعارات والتمنيات وليس على  ارضية علمية تعتمد على منهجية ترسم وبوضوح ديناميكية الحراك الاجتماعي الاقتصادي والصراع الطبقي المحتدم وتوازن القوى الذي يساعد على استقراء الاحتمالات والمخاطر ويحدد نوعية واشكال التحالفات أو الاتفاقات الممكنة، وهو ممكن فقط عندما تنظر خلف ستارة المسرح، هذه المهمة التي ستواجه مؤتمر الحزب القادم  في معرض انضاج واقرار وثائق المؤتمر ومخرجاته بالاعتماد على المنهج الماركسي .

هذا الاختلاف في المنهج، والتفسير ايضا، يكمن خلف المدارس الفكرية المتعددة لتحليل  الانماط الاقتصادية الاجتماعية السائدة في البلدان العربية. وهناك مثالان صارخان، الأول  الفكر القومي العربي الذي ساد بعد الخمسينات والستينات وبدعم دولي واقليمي للتصدي  لقوى اليسار العربي المتصاعد دورها واعتمد مفهوم القومية العربية ولكن من منظور مثالي الذي تبنته التيارات أنداك حول الرسالة الخالدة لانبعاث الصقر العربي. ووصل في النهاية الى التلاقح مع  الفكر الفاشي الشمولي. والثاني هو مثال الصحوة الإسلامية الذي ساد في ما بعد السبعينات، والذي رسم وعيا يعتمد العقيدة المذهبية الإسلامية كحل وحيد للمشاكل المجتمعية وازمة السلطة السياسية، وتحول في التطبيق العملي الى أنظمة  قمعية معادية للديمقراطية وحقوق الانسان، وفشل مشاريع التيارات الاسلاموية التي حاولت ركوب موجة   الربيع العربي، وفشلت في إقامة رؤاها عن النظام السياسي وتركت خلفها تشظيا في  التنظيمات السياسية الإسلامية على أسس مذهبية وطائفية وظهور التنظيمات الإرهابية التي اعتمدت الفكر السلفي والتكفيري مثل داعش وأخواتها.

الاستنتاج النهائي في هذه المقالة ان الالمام وتطبيق المنهج الديالكتيكي ضروري لدراسة التاريخ والظواهر الاجتماعية التي تمر بها بلدان الشرق الأوسط او بلدان المحيط على حد تعبير الكاتب الماركسي المصري سمير أمين صاحب نظرية التبعية في مرحلة ما بعد الاستعمار الكولونيالي، والمقدرة على النفاذ الى جوهر العملية التاريخية الجارية ومعرفة حقيقة ما يجرى خلف ستارة مسرح الظل.

عرض مقالات: