التقى ماركس وإنجلز في ألمانيا لفترة وجيزة عام 1842، ثم التقيا مرة أخرى بعد مجيء إنجلز إلى باريس في آب 1844، في مقهى دي لاريجانس لتبدأ صداقتهما الاستثنائية. كتب أنجلز «بات واضحا اتفاقنا النظري الكامل في جميع المجالات، ويعود عملنا المشترك إلى ذلك الوقت».

في تلك الفترة كان أنجلز ناشطا فعالا في حركات الطبقة العاملة الشارتية والاشتراكية في مدينة مانشستر التي أمضى فيها قرابة 21 شهرا قبل مجيئه الى باريس. أما ماركس فقد كان منشغلا بمتابعة أول إضراب كبير لعمال ألمانيا، إضراب عمال النسيج في سيليزيا. وقد امتدح هؤلاء البروليتاريين الألمان على أنهم «جنود الاشتراكية»، حيث يحمل تمردهم «روحا عالمية» تناضل من أجل الثورة الاجتماعية. وبناءً على إحساسهما المتبادل بالثورة العمالية الوشيكة، اتفقا على تأليف كراس جدالي ضد مدرسة النقد النقدي لصاحبها برونو باور التي وقفت موقفا سلبيا من الإضراب العمالي. فكان كتاب العائلة المقدسة أو كما اقترحت جيني ويستفالن، زوجة ماركس، للسخرية ان يكون عنوان الكتاب نقد النقد النقدي فوافق الاثنان على الاسم.

أمسك انجلز بالقلم ليسطر 15 صفحة مما كان يفترض به كتيبا صغيرا لتفنيد آراء مدرسة النقد النقدي (برونو باور). حيث اتهم انجلز الأخير بتبني وجهة نظر نخبوية تقول بأن الأفكار لوحدها هي من تنير الطريق الى عالم أفضل بدلاً من النضالات اليومية «للجماهير». ثم يقارن انجلز أتباع هذه المدرسة التي تزعم بأن الدين هو أصل كل الشرور، بالكنيسة المسيحية نفسها، فيكتب: «النقد النقدي ... أحب الجماهير لدرجة أنه أرسل ابنه الوحيد، كي لا يموت كل من يؤمن به، بل ليبلغ الحياة النقدية.... انه لا يخجل من موازاة نفسه بالرب».

سافر أنجلز تاركا القلم والأوراق لماركس كي يكمل الكراس، لكنه تفاجأ بأن ماركس سطر185 صفحة أخرى، وكان ذلك الدرس الأول الذي تعلمه انجلز: عدم ترك ماركس لوحده برفقة قلم وأوراق وأفكار تدور في ذهنه.

إذن ما هي نقاط ماركس الرئيسية؟

أولا: حدد ماركس نظريته عن ثورة الطبقة العاملة. ثانيا: يطور فهمه لكيفية حكمنا على الحقيقة والمعرفة. وثالثا: يبدأ في رسم آرائه حول كيفية تضافر الأفكار والظروف الاجتماعية لصنع التاريخ.

في حاشية هامشية نقدية رقم 2 يدافع ماركس عن الفوضوي الفرنسي بيير جوزيف برودون ضد إدغار باور (شقيق برونو)، الذي كتب: «ان حقيقة البؤس والفقر تجعل برودون منحازا في اعتباراته؛ فهو يرى فيها تناقضا مع المساواة والعدالة، ومنها يستقي أسلحته، وبالتالي تصبح هذه الحقيقة بالنسبة له مطلقة ومبررة، في حين تتراءى له الملكية حقيقة غير مبررة». بمعنى ان برودون كان مخطئا في تأكيده على وجوب إلغاء الملكية الخاصة.

بعد ذلك، يقوم ماركس بمبارزة باور واتباعه بسيفهم الهيغلي، فهم يؤكدون على الوحدة بين الثروة والفقر في كل واحد، في حين يؤكد ماركس على التناقض والصراع والعداء (تذكرون ما ذكرناه سابقا بديالكتيك النفي؟) فيكتب: «البروليتاريا والثروة متضادان؛ ويشكلان بالتالي وحدة واحدة [قانون وحدة وصراع الأضداد]. كلاهما من إبداعات عالم الملكية الخاصة. والسؤال هو بالضبط عن المكان الذي يحتله كل منهما ضمن هذه العلاقة القطبية. لا يكفي أن نعلن أنهما وجهان لكل واحد [وجهان لعملة واحدة]».

ان التطور الاقتصادي الملموس للملكية الخاصة وصراع الطبقات التي يولدها هذا التطور هو القوة المحركة لهذه العملية: «صحيح، ان الملكية الخاصة تتجه ذاتيا، في حركتها الاقتصادية، نحو انحلالها الذاتي ... ان البروليتاريا تنفذ الحكم الذي تصدره الملكية الخاصة على نفسها بتوليدها البروليتاريا ... عندما تنتصر البروليتاريا، فإنها لا تصبح بأي حال الجانب المطلق من المجتمع، لأنها لا تنتصر إلا بإلغاء نفسها وإلغاء نقيضها. ثم تختفي البروليتاريا مثلها مثل نقيضها الذي يحددها، الملكية الخاصة».

ملخص ذلك ان على البروليتاريا في حال انتصارها ان لا تقضي فقط على الطبقة الحاكمة، بل على الفقر والعمل المأجور نفسه من خلال تنظيم مجتمع قائم على العمل الجماعي (بدون استغلال). هذا ما يحدث عندما تصل طبقة ذات «سلاسل راديكالية» إلى السلطة.

 

سؤالان الى ماركس

نتساءل هنا: أولا، لماذا على البروليتاريا ان تناضل؟ وثانيا، لماذا لا يقوم أصحاب الملكية الخاصة بإصلاح النظام بأنفسهم؟

يجيب ماركس على السؤال الأول ببضع جمل تلخص كامل نظريته عن الثورة الاشتراكية. يجدر قراءتها عدة مرات:

«في البروليتاريا الكاملة التكوين، يكتمل عمليا تجريد البشرية جمعاء ... لأن ظروف حياة البروليتاريا تلخص كل ظروف حياة المجتمع الحالي في أكثر أشكالها وحشية؛ في البروليتاريا أضاع الإنسان نفسه، لكنه في نفس الوقت لم يكتسب فقط الوعي النظري لهذا الضياع، بل أيضا الحاجة الملحة، التي لم تعد قابلة للتخفي، الحتمية المطلقة لشقائه - كتعبير عملي عن الضرورة – التي تدفعه للثورة ضد هذه الوحشية، ولهذا السبب فأن البروليتاريا قادرة ويجب عليها بالضرورة أن تحرر نفسها بنفسها. لكنها لا تستطيع أن تحرر نفسها دون إلغاء ظروف حياتها. ولا يمكنها أن تلغي ظروف حياتها دون أن تلغي جميع الظروف اللاإنسانية في المجتمع الحالي، التي تتلخص في وضعها الذاتي».

وهذا يعني أن الظروف الاجتماعية التي نجد أنفسنا فيها (كشغيلة يد وفكر) تتناقض مع طبيعتنا البشرية (أو «نوعنا البشري» كما يسميها ماركس في مخطوطات عام 1844) ولهذا لا بد بالضرورة من القيام بثورة ضد هذه الظروف.

ويبقى أمامنا السؤال التالي: فهمنا أن علينا (كشغيلة يد وفكر) ان نثور ضد ظروف حياتنا اللاإنسانية وليدة المجتمع الرأسمالي، ولكن إذا كانت الرأسمالية مدمرة للإنسانية ككل، لماذا لا يعارضها الرأسماليون أنفسهم، على الأقل بعد أن يدركوا ما فعله نظامهم من دمار لكوكبنا؟ أليسوا بحاجة إلى طبقة أوزون معافاة ومياه صالحة للشرب وبيئة نظيفة كما هي حاجتنا لها؟

سنجيب على هذا في فرصة أخرى.

عرض مقالات: