الفترة الأساسية في مسيرة الحزب وخصوصيته الوطنية

في الحادي والثلاثين من شهر آذار تحل علينا ذكرى عزيزة علينا وهي بروز الحزب الماركسي الذي يحمل فكر الطبقة العاملة العراقية.. ويهتدي بالفكر العلمي، الحزب الشيوعي العراقي.

وعن بدايات العمل في هذا الاتجاه، يذكر عزيز سباهي ((ربما يكون العراقيون قد عرفوا الدعوة الحديثة للاشتراكية والسعي لتحقيقها حين نشرت جريدة “ الزوراء “ التي كان مدحت باشا قد أصدرها في بغداد حين تولى ولاية العراق عام 1869م. ففي العدد 144 نشرت الصحيفة انباء اندلاع “ كومونة باريس” واستيلاء العمال على الحكم هناك. ورغم أن الصحيفة وقفت موقفا معاديا من الكومونة، ووصفت ثوارها بالعصاة، إلا أنها بنشرها أنباء الثورة وتأكيدها على أنها أقامت حكومة للفقراء، وأنها حددت الضرائب وأعلنت مجانية التعليم ومجانية المرافعات أمام القضاء وأنها نشرت التعاون وألغت التجنيد الدائم وصادرت أملاك الكنيسة الشائعة، وأنها نشرت برنامجا  يستجيب إلى مطامح الفقراء، بنشرها هذا كله لابد أن تكون قد أثارت اهتمام قرائها بهذا الحدث الكبير ودفعتهم إلى الحديث عن الاشتراكية ومفاهيمها، وربما أوجدت شيئا من التعاطف لدى بعضهم)) “1”/ ج1 ص88 عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي 

ألمتابع لما كان يجري في العراق وخاصة في صفوف الشريحة المثقفة والأدباء والشعراء والعاملين في الصحافة آنذاك، سيدرك حتما أن الفكر الاشتراكي وأفكار ماركس، كانت تشكل محور كتابات العديد من أولئك المثقفين العراقيين ( ونفهم مما كتبه عبد الرزاق عدوة في مجلة “ اللسان “عام 1920بأنه كان يطلع على الأدب الماركسي وأنه يتابع تطور الحركة الثورية في المانيا وروسيا، يقول “ من الرجال العظام أهل المبادئ (كارل ماركس) الرجل الذي  هذب مذهب الاشتراكية وبذل ما لم يبذله سواه في سبيل تحقيق مبدئه حتى أسس ألاشتراكية العلمية). “2” ج1 ص 90.   

وهناك الكثير من الاشارات التي توضح أن الفكر الاشتراكي كان يشغل بال العراقيين منذ فترة تزيد على المائة عام، وهو ما شكل ذخيرة للنخبة المثقفة ونواة الفكر الاشتراكي في أذهان العديد من أولئك وهم يتابعون أحداث ثورة اكتوبر الاشتراكية الكبرى، كما كانت هناك متابعات وشهادات ذات قيمة خاصة بشأن علاقة المثقفين العراقيين بالفكر الاشتراكي، فقد وردت رسالة من (محمود أحمد السيد) إلى نيقولا حداد، وهو الشيوعي اللبناني، يسأل فيها ( هل خطر ببالك أن تكتب أو تترجم للعربية شيئا عن كتب الاشتراكية العصرية، تبين لنا أنظمتها وأساليبها بالحكم والإدارة ونبذة عن تاريخها قبل ثورتها وبعدها ؟)./3  نفس المصدر.

وأن تأثير ثورة اكتوبر الاشتراكية على العراقيين يبرز بشكل خاص في اندلاع ثورة العشرين الخالدة.  ويرد في تقارير الشرطة البريطانية عام 1920 (أن الادبيات البلشفية وأنباء الأحداث الجارية في روسيا، تناقش في العتبات المقدسة، حيث الكثير من التعاطف مع البلاشفة وذلك بسبب موقفهم من البريطانيين في الشرق.) ويؤكد التقرير ايضا أن كتاب “مبادئ البلشفية “ قد وصل إلى نجل المجتهد الكبير الشيرازي، كما أن المجتهد ألأكبر قد أصدر فتوى يقول فيها أن البلاشفة هم من أصدقاء الاسلام.

هذه الاشارات الواضحة تدلل تماما على أن الفكر الاشتراكي وتأثير البلاشفة وثورتهم في روسيا القيصرية، كانت محور اهتمام جدي من قبل المسلمين في العراق لأنهم يرون في بريطانيا عدوا للعرب والمسلمين، ويجب مقاومتها ...وهو ما فتح الباب واسعا لثورة القبائل العراقية ضد الاحتلال البريطاني. 

ولذلك فقد (كان الزهاوي قد حيا الثورة البلشفية في كانون الثاني 1921، وفي قصيدة عنوانها “ الحياة والموت” قال فيها:

ايها الفقراء لا تيأسوا، أيها الفقراء

رفعت أخيرا فوق راية الهدى، راية بلشفية حمراء) نفس المصدر

وللرصافي ايضا قصيدة يذكر فيها:

للانكليز مصالح ببلادكم ... لا تنتهي الا بأن تتبلشفوا

وفي ظل هذا الوعي المتنامي  والشعور الوطني لدى جمهرة المثقفين، وما أفرزته احداث ثورة العشرين،  قد دفعت محمود احمد السيد، وهو ابن رجل الدين وامام جامع الحيدر خانة، للالتقاء مع حسين الرحال وهو العائد من المانيا، والذي تمكن من الاستماع إلى خطب روزا لوكمسبورغ المناضلة الالمانية المعروفة ورفيقها كارل ليبنخت، حيث اندلعت ثورة “ السبارتاكيين” وهم فصيل شيوعي معروف في المانيا، هذه الارهاصات كانت عوامل مؤثرة في عقلية حسين الرحال وساهمت في صقل موهبته الفكرية الجديدة، وهكذا حصل التقارب الكبير بين محمود احمد السيد وحسين الرحال، وكان هذا من الامور التي جعلت من السيد كاتبا  قصصيا تتضمن قصصه مضامين اجتماعية واضحة تشير إلى وعيه وعمق ادراكه للواقع الاجتماعي آنذاك .

وفي العام 1924 صدرت أول صحيفة تتحدث عن (الماركسية والشيوعية) بلغة واضحة، وكانت تلك الجريدة “الصحيفة “، قد عبرت عن رأي الجماعة الماركسية التي تبلورت من خلال اللقاء بين محمود احمد السيد وحسين الرحال (وكان من الأعضاء الأساسيين في الجماعة “ محمد سليم فتاح، طالب الطب ابن المسؤول السابق في الحكومة العثمانية وصهر الرحال، ومصطفى علي وهو معلم مدرسة وابن نجار، والرجل الذي أصبح في عهد الجنرال عبد الكريم قاسم وزيرا للعدل وعبد الله جادو الموظف في ادارة البريد والبرق وابن متعهد ثياب، وعوني بكر صدقي، وهو معلم – صحافي وابن مسؤول صغير أصبح أواخر الخمسينات رئيس “ صوت الاحرار “ ذات الميول الشيوعية )5/ ج2 حنا بطاطو / العراق :  الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية  ص 43

واضافة لما ذكره بطاطو فقد ذكر عزيز سباهي أن الرحال تعرف على عبد الله الجدوع الذي نشط لدعم الحركة النقابية من بعد، وابراهيم القزاز وكمال صالح وعبد الحميد رفعت وعبد القادر اسماعيل وعبد الفتاح ابراهيم وحسين جميل وزكي خيري وغيرهم. وكانت لقاءات هذه الجماعة في جامع الحيدر خانة ومقهى النقيب (وكانت تجتمع فيما بينها لتناقش الأوضاع العامة في البلاد وما يثار من قضايا اجتماعية واقتصادية وقضايا عامة أخرى بهدف التوصل إلى وجهة نظر موحدة).

وقد عملت  سلطة الانتداب البريطاني على تشويه البدايات الأولى للحركة الشيوعية في العراق، وكان سبب هذا التشوية هو (أن ثورة اكتوبر الاشتراكية قد نبهت شعوب الشرق إلى ما كان يخطط لها الاستعمار الغربي، ودعتها إلى النهوض للتخلص من كل ألوان الاضطهاد القومي والاستغلال الطبقي ودلتها على سبيل الخلاص )، كما أن نداءات لينين قائد الثورة البلشفية (( تخلصوا من نير المستعبدين الذين اغتصبوا أراضيكم خلال مئات السنين لا تدعوهم بعد الآن ينهبون دياركم، يجب أن تكونوا أنتم أنفسكم أسياد بلادكم، يجب أن تنظموا حياتكم كما تشاؤون، فذلك من حقكم وأن مصيركم هو بين أيديكم . )) 6/ ج1 عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي ص85   

وحيث أن تلك الجماعة “ جماعة الرحال “ لم تمتلك (الجرأة على الاقدام لتنظيم أنفسهم في إطار سياسي خاص، فان غيرهم من الشبيبة الثورية شرعوا ينظمون أنفسهم في جمعيات سرية حملت منذ بدايتها نزوعات الشباب المندفعة وبدت أقرب إلى الهواية منها إلى العمل الجاد) 7 / نفس المصدر ص124

ويشير سباهي ايضا إلى أن البصرة كانت أول مدينة تحتضن الفكر الاشتراكي وأن تجد الشيوعية طريقها إلى عمال وشباب البصرة العاملين في موانئها، خاصة وهم على احتكاك متواصل مع أناس من بلدان شتى.

لكن عزيز سباهي لا يجزم بتاريخ محدد ولا (الكيفية التي توصل بها الشيوعيون الأوائل في البصرة في منتصف العشرينات “من القرن العشرين” إلى الأفكار الشيوعية، ومن كان الرائد فيهم.) نفس المصدر.

الشيوعيون الأوائل عملوا بحزم وعزيمة على تأسيس حزبهم الخاص

في الجزء الأول من “ عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي “ يذكر عزيز سباهي ((يبدو أن عام 1934 قد حسم الأمر بالنسبة للشيوعيين الأوائل بشأن توحيد منظماتهم، فقد صح عزمهم في هذا العام على تأسيس حزبهم الخاص)) ص149.

بعد أن كان الشيوعيون الأوائل يعملون تحت واجهات وطنية وديمقراطية، مثل الحزب الوطني العراقي وحزب الإخاء الوطني، وكانت تلك الواجهات منابر سياسية مهمة في حينه، وهناك صوت للمعارضة الشعبية ضد سياسات الحكام الموالية لبريطانيا، لكن إقدام تلك الأحزاب لحل نفسها والتخلي عن مواقف المعارضة رغم محدوديتها، أفقدت الشيوعيين واليساريين عموما تلك المنابر السياسية، وهو ما دفعهم للتفكير الجاد ( كما هو الشأن في الناصرية والبصرة بوجه خاص فقد وضعهم الحل أمام مسألة ملحة وعاجلة، وهي العمل لإيجاد منظمتهم الخاصة السرية ) ج2 ص149

ويروي أحد مؤسسي الحزب “ حسن عباس الكرباس “ فيقول (إن زميله، الطالب في مدرسة الصناعة، عبد الرحمن داود، وهو من أهالي الناصرية قد عرفه ب “ الأسطة”، وكان هذا لقبا يطلقونه فيما بينهم على من يريدون تبريزه من أصحابهم (والأسطة بالعامية العراقية رئيس العمل ومن يتقنه) والأسطة هذا كان يوسف سلمان يوسف الذي كان يلتف حوله الشباب الشيوعي في الناصرية والبصرة، ومن يومها أصبح الكرباس شديد الارتباط به.) ، كما أن هذا التواصل قاد الكرباس كما يذكر نفسه للتعرف على (قاسم حسن، وجميل توما ونوري روفائيل ومهدي هاشم وموسى حبيب)، نفس المصدر.

ويبدو أن سلمان يوسف سلمان كان وبعد أن ترك الناصرية، وتوجه إلى بغداد (نشط كثيرا في تعريف شيوعيي بغداد المبعثرين ببعضهم، وتوثيق روابطهم بشيوعيي الناصرية والبصرة، وحثهم على تكوين منظمتهم الموحدة وبالفعل ساروا في هذا الاتجاه وكونوا منظمتهم المنشودة لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار  التي أبدلت اسمها بعد أشهر إلى  الحزب الشيوعي العراقي  والتي ضمت كل الشيوعيين في بغداد والبصرة والناصرية والديوانية والعمارة، وهكذا ظهر إلى الوجود – الحزب الشيوعي العراقي) ص150

ورغم أن عزيز سباهي يقول (ومع ذلك تظل هناك تساؤلات عديدة تتطلب الحسم قبل متابعة الطريق المجيد الذي سلكه هذا الحزب: كيف تم تأسيس الحزب، ومن هم مؤسسوه، ومتى تم تأسيسه؟) ص150

لكن سباهي يعود ليؤكد ((في التقرير الذي ألقاه يوسف سلمان يوسف “ فهد” أمام الكونفرنس الأول للحزب عام 1944، أي قبل عشر سنوات من تاريخ صدور العدد المذكور من “ كفاح السجين الثوري”، والمعروف باسم “ قضيتنا الوطنية “ جاء “ لقد أدى نضال الطبقة العاملة العراقية لتأليف نقابات لها عام 1929م ولتأليف حزبها الشيوعي عام 1934م والقيام بإضرابات جماعية ومظاهرات سياسية عديدة”. إن لهذا التحديد قيمة كبرى فيما نحن بصدده، فقائله،

أولا، هو يوسف سلمان يوسف بالذات الشخص الذي لعب أكبر الأدوار في ارساء دعائم الشيوعية في العراق، وفي تأسيس الحزب بالذات.

وثانيها: أن القول به يأتي في تقرير مهم ويخضع للتدقيق، وفي أول مؤتمر يعقده الحزب من تأسيسه.

وثالثها: إن القول جاء بعد عشر سنوات فقط من وقائع التأسيس وذاكرة القائل لا شك فيها هنا)) نفس المصدر ص151

وهكذا يحسم الجدل في التاريخ المحدد للتأسيس وهو الحادي والثلاثين من شهر آذار من العام 1934م.

كما ان هناك اشارات كثيرة واضحة تؤكد أن التأسيس كان في 31 آذار من العام 1934 (حري بنا أولا أن نذكر أن تقليد الاحتفال بميلاد الحزب أرسي لأول مرة في سجن بعقوبة المركزي عام 1954، حين كان يجتمع هناك معظم السجناء الشيوعيين الذين عاشوا مع يوسف سلمان يوسف فهد في سجن الكوت.) نفس المصدر.

وفي مذكرات أحد المؤسسين وهو حسن عباس الكرباس، والتي يذكرها عزيز سباهي، يتأكد لنا أن فترة التأسيس محصورة في الفترة 1933 - 1935. يقول الكرباس (الحزب على حد فهمي – هو ظاهرة لنشاط وعمل اجتماعي معين وفق فلسفة معينة هي الماركسية – اللينينية لطبقة من الناس، لا يمكن أن ينبثق للوجود فجأة كعمل جاهز ومهيأ آنيا، وإنما هو ينمو ويظهر للوجود كظاهرة اجتماعية حية خلال فترات “زمن” تطول أو تقصر حسب مقتضيات البيئة التي يتكون فيها.) ص152، ويواصل الكرباس أن فترة التأسيس مرت (بفترات ثلاث، سميتها فترة لقاح الأفكار، وفترة المخاض، ثم اعلان الولادة. فالأولى انتهت عام 1933، والثانية استغرقت عام 1934، وهي التي حفلت بنشاط التأسيس وتهيئة المطبعة الاولى، والثالثة هي فترة عام 1935 حصل فيها الإعلان المادي لكيان الحزب بمنشوره الاول في 14/3/ 1935، ثم واصل الحزب جهاده تحت راية جريدته الاولى “ كفاح الشعب”) نفس المصدر.

كما أن حسن عباس الكرباس، يضع في مذكراته، قائمة بأسماء المؤسسين الاوائل والذين شاركوا في عملية التأسيس وهم على النحو التالي:

-1 يوسف سلمان (فهد فيما بعد).

-2 عاصم فليح

-3 قاسم حسن

-4 مهدي هاشم

-5 نوري روفائيل

-6 حسن عباس

-7 يوسف اسماعيل

-8 عبد الرحمن داود

-9 موسى حبيب

ثم أن سباهي، ولمزيد من التأكيد، يذكر و(على هذا النحو تتطابق رواية الكرباس مع ما جاء به يوسف سلمان يوسف فهد في تقريره الذي أشرنا اليه من أن عام 1934 هو عام التأسيس).

تحية اكبار واجلال للذكرى ال (87) لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، حزب الطبقة العاملة العراقية وسائر الكادحين وشغيلة الفكر والادب والثقافة، وقائدها في مسيرة النضال من اجل الوطن الحر والشعب السعيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر البحث:

1) عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي /ج1/ عزيز سباهي

2) العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية / ج2/ حنا بطاطو