لم تكن جائحة كورونا هي المعادل بين الغني والفقير فحسب باعتبار أن الفايروس يمكن ان يطال الجميع بلا تحيز. بل كانت الحدث الذي عزز وكشف التفاوت الطبقي في واقع الأمر. حيث أن أصحاب الدخل المنخفض هم الأكثر تأثراً بالجائحة. وهذا ما اكده بيكيته في كتابه رأس المال في القرن الحادي والعشرين، معتمداً على تحليلات احصائية اظهرت بوضوح أن التفاوت الطبقي في ازدياد، وان هناك قطبين يكادان يكونان عالميين: الأول يتمثل برأس المال القادرعلى تحقيق عوائد كثيرة مقارنة بالمحور الآخرالمتمثل بالعامل. ان الانظمة غير العادلة هي التي تتسبب في بقاء الأغنياء أغنياءً والفقراء فقراء، بسنها قوانين وضوابط إعادة توزيع الثروة بشكل يصب في صالح رأس المال على حساب دخل العامل مما يؤدي إلى اتساع الفجوة، ويجعل من الظلم الاجتماعي مشكلة عالمية، تتداخل فيها قواعد التجارة الدولية والاقتصاد العالمي والسياسات المنتهجة في توزيع المنافع والأعباء بين أفراد المجتمع.

الظلم الاجتماعي ليس خيارا بل هو ظلم تكرسه سياسات قاصرة

يؤكد فيلدشتاين - جامعة هارفارد، رائد اقتصاديات الضمان الاجتماعي، أن مفهوم الظلم الاجتماعي لا يقتصرعلى توزيع الثروة فقط، وانما يتعداه إلى جودة الحياة كالعيش في بيئة آمنة غير ملوثة، الحصول على التعليم الجيد والرعاية الصحية الكافية. إلا انه يصر على ان التركيز يجب أن يكون على القضاء على الفقر، وليس على التوزيع الكلي للدخل أو الدرجة الإجمالية للظلم الاجتماعي. وقد أسهمت الدراسة التي نشرها أبيل سميث وبيتر تونسند في العام 1965 عن الفقير والأكثر فقراً في وضع قضية الظلم الاجتماعي على جدول الاعمال السياسية بعد خمسين عاماً من نشرها، لتكون بذلك خياراً سياسياً يدرك العواقب الاجتماعية وخاصة على المدى الطويل. وبالرغم من النوايا الحسنة فإن النضال للقضاء على الظلم الاجتماعي لم يحرز التقدم المنشود في ظل سياسات قاصرة تُغلب مصالح رأس المال على مصلحة العامل.

حيثما يكون الظلم، لا بد من وجود مرتكبين تسببوا به وآخرين سكتوا عنه

ان العلاقة بين الظلم الاجتماعي وأولئك الذين يغضون النظر عنه علاقة اعترفت بها العقول العظيمة على مر القرون. فالصمت يعني الموافقة عند أفلاطون قبل 24 قرنا، ومن لا يعاقب الشر فانه يسمح بحدوثه بحسب دافنشي بعد 19 قرناً. والعالم مكان خطير، ليس بسبب أولئك الذين يقدمون على الشر، ولكن بسبب أولئك الذين ينظرون إليه ولا يفعلون شيئا بحسب اينشتاين. وأيضًا "إن كنت محايدا في حالات الظلم، فأنت تقف إلى جانب الظالم" على حد قول ديزموند توتو.

ترى الباحثة إيريس يونغ (1949-2006) أن الظلم الاجتماعي، هو نتيجة لمجموعة معقدة غير مباشرة من الإجراءات والخيارات الفردية والمؤسساتية تقع في غالبها ضمن حدود العدالة والاخلاقيات المقبولة والتي تحقق الاهداف والمصالح الخاصة لهؤلاء الافراد والمؤسسات . فعلى سبيل المثال ونحن نشتري الملابس المصنعة في معامل تستغل العمالة الرخيصة لا نشعر بشكل مباشر بالالتزام الاخلاقي تجاه أولئك العمال. وبحسب يونغ فإن هذا النوع من الظلم الاجتماعي وتبعات التورط بممارسته يزداد في ظل العولمة حيث يستمر تشغيل هكذا معامل في بنغلادش والهند باستمرار الاقبال على السلع الاستهلاكية، فتخلص إلى أن الظلم الاجتماعي هيكلية معقدة يعاد انتاجها من قبل الملايين من الناس الذين يتصرفون عادةً ضمن ضوابط وممارسات مؤسساتية يعتبرونها عادلة ومقبولة أخلاقياً وأن ما من مذنب واضح ومباشر يمكن لومه وإلقاء المسؤولية عليه، وبالتالي ايجاد الحلول للحد منه ( المسؤولية عن العدالة، يونغ، 2016).  

وفيما لو أردنا التفكير بمسؤوليتنا تجاه الظلم الاجتماعي والمساهمة في القضاء عليه، فسيكون من الصعب التركيز على خطاب الشعور بالذنب واللوم لأن المشاركين في هذه العمليات الاجتماعية غالبا ما يعتقدون أنهم يتصرفون ضمن ضوابط واخلاقيات مقبولة عموما. كما انه من غير الممكن توجيه أصابع الاتهام في قضية تبدو فعلاً طبيعياً يتماشى فيها الفرد مع ما يعده اعتيادياً كشراء الملابس، وبالتالي لا يمكن اعتباره مذنبا بالمعنى المجرد للكلمة، مما يعني ان هذا النموذج لن يجدي في تحقيق مشاريع الاصلاح المشتركة.

إن المظالم الهيكلية تتطلب العمل الجماعي وتحمل المسؤولية السياسية المشتركة مع بقية أفراد المجتمع للعمل من أجل القضاء على الظلم الاجتماعي، فكما يساهم الجميع في الظلم من خلال المشاركة في العمليات الاجتماعية الهيكلية، عليه ان يتحمل مسؤولية إصلاح هذه العمليات والهياكل بحسب يونغ.

مع ملاحظة امكانية توظيف الشعور بالذنب كحافز مهم للاصلاح بحسب مارثا نوسباوم (مقدمة كتاب المسؤولية عن العدالة، يونغ ،2016). فالتحدي الأكبر يكمن في الموازنة بين الشعور بالذنب وتحمل المسؤولية. اي الاعتراف بالدور المشترك الذي لعبناه في التسبب في الظلم الاجتماعي وتضافر الجهود في تنفيذ مشاريع الاصلاح المشتركة. عندها سيكون موقفنا من الظلم الاجتماعي موضع نقاش يكفل ان يكون الناس أكثر وعياً بحقيقة أن بعض قواعد لعبة مجتمعنا ليست في صالحهم.

صنّاع التغيير

عمدت شركة توني شوكولوني منذ سنوات إلى تقسيم شكل منتجاتها من ألواح الشوكولاته إلى قطع غير متساوية في محاولة منها للإشارة إلى الدخل غير العادل في صناعة الشوكولاته. إلا أن ما حققته منظمة أوكسفام نوفيب في غضون أسابيع قليلة فاق نضال توني خلال سنوات. فقد اطلقت أوكسفام نوفيب حملة ناجحة للتحشيد من أجل انتاج شوكولاته عادلة، وذلك بدعوة الجمهور للمشاركة في العرض الترويجي للحملة من خلال تطبيق ألكتروني يتيح لهم تشويه واجهات المتاجر الافتراضية التي عرضتها على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أنتج 150 ألف صورة خلال فترة قصيرة تظهر فيها أسماء متاجر التجزئة التي تبيع الشوكولاته غير العادلة، فكانت النتيجة أن ترتفع أسماء هذه المتاجر في أعلى قائمة الظهور لمحرك كوكل العالمي كمتاجر لا تهتم لحقوق العمال وتستغل عمالة الأطفال، ما دفع تلك المتاجر للإعلان عن أنها لن تبيع سوى الشوكولاته العادلة. فماذا لو قررنا جميعاً التوقف عن شراء الملابس التي تنتجها معامل تستغل العمالة الرخيصة؟

ــــــــــــــــــــــ

  • باحثة اكاديمية، مستشار تخطيط استراتيجي

جامعة ساكسيون للعلوم التطبيقية والتكنولوجية – هولندا

عرض مقالات: