شكّل الأدب محورًا للثقافة السياسية في روسيا القيصرية، على الرغم من صعوبة نشر النصوص الأدبية ذات الطابع السياسي بشكل صريح، فقد كان النظام القيصري يحرم الكتّاب المعارضين من النشر حتى يتعافوا (حسب التعبير الرقابي آنذاك). بعبارة أخرى، حتى يتراجعوا عن آرائهم. في غضون ذلك، جرى التعامل مع الروايات والشعر بشكل متساهل  نسبيا، لكن ليس في جميع الحالات. ففي حالة بوشكين على سبيل المثال، أصر (والد الشعب) نيكولاس الأول قيصر روسيا، على قراءة أغلب قصائدة بنفسه، قبل أن تذهب إلى المطبعة. ونتيجة لذلك، تم حظر البعض، وإعادة البعض الآخر إلى الشاعر لتعديلها، الأمر الذي أدى إلى تدميرها وتخريبها على يد بوشكين الخائف نفسه، خشية مداهمة منزله.

هكذا إذن كان الجو الفكري الذي نشأ فيه لينين. كان والده، وهو محافظ مثقف للغاية، وكبير مفتشي المدارس في منطقته، يحظى باحترام كبير في أوساط المثقفين والتربويين، وكان يحرص على قراءة  شكسبير وجوته وبوشكين بصوت عالٍ في منزل العائلة بعد ظهر أيّام الآحاد.

وفي المدرسة الثانوية، وقع لينين في حب اللاتينية، حيث كان مدرسه يأمل في أن يصبح عالما في اللغة أو باحثا لاتينيا، لكن التاريخ لم يشأ ذلك في الحقيقة، على الرغم من أن شغف لينين باللاتينية وتذوقه للكلاسيكيات، لم يبرحاه أبدا، فقرأ فيرجيل وأوفيد وهوراس وجوفينال بلغتهم الأصلية، بالإضافة إلى خطب مجلس الشيوخ الروماني، كما التهم كافة أعمال غوته وأعاد قراءة فاوست مرات عدة، على مدى عقدين من حياته في المنفى.

عرف لينين في مرحلة متقدمة، أن الأدب الروسي الكلاسيكي كان مليئا بالسياسة، بما في ذلك أعمال الكتاب الأكثر ابتعادا عنها، هؤلاء الذين وجدوا صعوبة في إخفاء احتقارهم للسلطات، وكانت رواية الكاتب إيفان جونشاروف “أبلوموف” مثالاً على ذلك، فقد أحب لينين هذا العمل العميق الذي يصور جمود وخمول وفراغ طبقة النبلاء العابثين بالثروة والنفوذ.

كان لينين يجادل في وقت لاحق، بأن هذا المرض - الجمود والخمول - لم يقتصر على الطبقات العليا وحدها، بل أصاب شرائح واسعة من البيروقراطيين القيصريين، وجزءا كبيرا من الطبقات الأدنى التي وصفتها الرواية بالهشة فكريا، الأمر الذي دفع بالكثير من المثقفين للاعتراض على الكتاب، لكنه على الرغم من ذلك، كان بمثابة وسيلة من الوسائل اللازمة للجدل النقدي. وفي الوقت الذي دعم فيه بوشكين انتفاضة ديسمبر 1825 التي تحدت خلافة نيكولاس الأول، سخر غوغول من محاولات إلغاء العبودية، )تراجع عن هذا الموقف لاحقًا). اما تورجنيف فكان ينتقد القيصرية، لكنه كان يكره بشدة من اسماهم “العدميين الذين بشروا بالإرهاب”، كما انتقد دوستويفسكي حالة الفوضى التي سادت في مدينة سان بطرسبرج إثر جريمة قتل فظيعة حدثت هناك، بينما أبهج لينين انتقاد تولستوي لما أسماه الحكم الروسي المطلق، لكن تبجيله للكنيسة ورجال الدين وغموض موقفه من حقوق الفلاحين، جعل لينين مترددا في مدح مواقفه، وكان دائم التساؤل في شأن كيفية أن يكون مثل هذا الكاتب الموهوب ثوريا ورجعيا في الوقت نفسه؟ وعلى مدار ست مقالات، كشف لينين عن التناقضات العميقة في أعمال تولستوي، التي نجحت - من وجهة نظر لينين - في تشخيص واضح للاستغلال الاقتصادي والتعبير عن الغضب الجماعي للفلاحين، لكنها في الوقت نفسه، لم تقدم علاجا واضحا لتلك المشكلات العميقة، وبدلا من تخيّل مستقبل ثوري صحيح، سعى تولستوي للحصول على عزاء في الصورة المثالية للماضي المسيحي الثيوقراطي.

وفي مقالته “ليو تولستوي كمرآة للثورة الروسية” كتب لينين ما نصه “أن التناقضات في وجهات نظر ومعتقدات تولستوي ليست عرضية، بل هي انعكاس للظروف المتناقضة للحياة الروسية في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر”. وهكذا كانت تناقضات تولستوي بمثابة دليل مفيد لتحليل لينين السياسي.

وعلى الرغم من أن انتقادات لينين لتولستوي كانت من الجديّة إلى درجة لا يمكن معها إنكارها، إلا أنها لم تتحول إلى سياسة عامة، حتى بعد انتصار الثورة، وبعد أقل من عام عليها، نشرت صحيفة “إزفيستيا” قائمة بالكتّاب الذين ترشحهم للقراءة، جاء فيها تولستوي في المرتبة الثانية بعد دوستويفسكي، وفي وقت لاحق، أُزيحت الستارة عن نصب تذكاري كبير للكاتب في موسكو مع تكريم رمزي له من الشاعر فياتشيسلاف إيفانوف.

لكن يبقى الكاتب الأكثر تأثيرًا على لينين - في الواقع على جيل كامل من الثوريين - هو نيكولاي تشيرنيفسكي، ابن الكاهن السابق والفيلسوف الاشتراكي المادي، وروايته المثالية “ما العمل؟” التي كتبها عندما كان معتقلا، بسبب معتقداته السياسية، في إحدى قلاع سان بطرسبرغ، وأصبحت بمثابة الكتاب المقدس لجيل الثوريين الجدد، بعد أن تم تهريب مخطوطتها خارج السجن بسريّة تامة ونشرها على نطاق واسع، الأمر الذي أعطاها هالة من القدسية الإضافية. وكإشادة بالشعبية الواسعة لتشيرنيفسكي وعرفانا بفضله على الأجيال الثورية، قام لينين بعنونة كتابه السياسي الأوّل بـ”ما العمل؟” (1902) تيمنا بعنوان رواية تشيرنيفسكي.

لقد أثار النجاح الهائل لتلك الرواية غيرة وحسد الروائيين الراسخين، من امثال تورجنيف، الذي هاجمها بشراسة. كما كره فلاديمير نابوكوف تشيرنيفسكي وتهكم عليه، لكنه في النهاية أعترف باستحالة تجاهله. أما تولستوي فقد سخر منه بمختلف أنواع الطرق.

لكن ماذا عن طبيعة تلك الرواية التي كانت موضوعا للكثير من الجدل؟

في الواقع هي ليست رواية كلاسيكية من تلك التي كانت معروفة في الأدب الروسي آنذاك، بالنظر لموضوعتها الإشكالية وطريقة تناولها للأحدث وتجسيد المظالم، الأمر الذي جعلها تلعب دورا حاسما في مرحلة ما بعد الثورة في اوساط المثقفين الروس وعموم القرّاء. لقد كانت جذرية للغاية على أكثر من صعيد، خاصة في ما يتعلق بالمساواة بين الجنسين والعلاقات بين الرجال والنساء، ولكن أيضا في كيفية النضال وتحديد العدو والعيش بموجب قواعد معينة من أجل الانتصار.

لقد خاض لينين الكثير من الجدال مع الشباب البلشفيين الذين كانوا يزورونه في المنفى قبل ثورة اكتوبر. كانوا يشكون له من صعوبة رواية تشيرنيفسكي غير القابلة للقراءة. وكان يخبرهم بأنهم أصغر من أن يدركوا عمقها ورؤيتها، ويتوجب عليهم الانتظار حتى يبلغوا سن الأربعين، كي يفهموا أن فلسفة هذا الكاتب تستند إلى حقائق بسيطة من مثل: “أن الحياة عملية بيولوجية قصيرة الأجل، وبالتالي فأن تحقيق السعادة للأفراد ليس ممكنا في عالم يسيطر عليه الجشع والكراهية والحرب والأنانية والطبقية، لهذا كانت الثورة الاجتماعية ضرورية”.

وفي الوقت الذي كان فيه البلاشفة الشباب يتسلقون الجبال السويسرية رفقة لينين، كانوا يقتربون ببطء من سن الأربعين، وكانت الثورة قد حدثت بالفعل. وبدأ المؤرخون بقراءة تشيرنيفسكي بفضول، ضمن دراستهم  لتطور فكر لينين ومنهجه النقدي في الأدب.

عرض مقالات: