صدر في الرائد الرسمي (الجريدة الرسمية التونسية) المرسوم المحرر من قبل الرئيس قيس سعيد المرقم 55 في 15 ايلول 2022 المتضمن تنقيح ( تعديل ) القانون الاساسي للانتخابات والاستفتاء، العدد 16 لسنة 2014 ، وهذا التنقيح جاء بمباديء واحكام تختلف اختلافا جذريا عن النصوص التي تم تعديلها، ولعل اهمها اعتماد نظام التصويت على الدوائر الانتخابية ذات المقعد الواحد،ـ التي يجري التصويت فيها على الافراد في تلك الدائرة.

سنتاول إذاً التعديل المتعلق بهذا الموضوع على أمل ان نأتي على مواضيع التنقيح الاخرى في اوقات قادمة ان اتيح لنا الوقت .

نصَّ التعديل الجديد على اعتماد نظام التصويت على الدوائر الانتخابية ذات المقعد الواحد وان يتم التصويت على الافراد في دورة واحدة او دورتين ان كان لها مقتضى. وجاء فيه ايضا انه اذا كان في الدائرة الانتخابية مرشح واحد أي من دون منافس، فانه يعد الفائز في تلك الدائرة الانتخابية وفي الدور الاول، ومهما كان عدد الاصوات الموجودة في صندوق الاقتراع . بهذا التوجه يكون المشرع التونسي قد غادر تماما نظام التصويت بالقائمة، المقترن بتوزيع المقاعد على مستوى الدوائر على اساس التمثيل النسبي مع الاخذ بالباقي الاكبر، المنصوص عليه  في الفصل 107 من القانون المذكور. وبموجبه عُد هذا النص ملغيا،  وهذا يعتبر انعطافا كبيرا في التشريع التونسي، كونه يهمش عمل الاحزاب الكبيرة ويثبط مشاريعها، وهي  الممثلة في البرلمان الحالي المعلقة اعماله، خاصة حزب النهضة برئاسة راشد الغنوشي، الذي اعلن عن عدم المشاركة في الانتخابات المقبلة بجود قانون انتخابي كهذا، وبذات الحماس كانت عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر، وهي تعلن رفضا لهذا القانون لانه كما قالت يستهدف حزبها .

 يبدو ان المشرع التونسي قد نأى بالنفس عن مزايا نظام التصويت بالقائمة، المقترن بنظام التمثيل النسبي والباقي الاكبر، وتمسك بعيوبه واسس النص الجديد على تلك العيوب، حيث وقف على  تلك العيوب ووجدها تستفرق اية مزية لهذا النظام، فضلا عن كونها السبب الرئيس في الوضع السياسي والاقتصادي الذي تعيشه تونس. الامر الذي دفع المشرع التونسي الى التمسك  بعيوب هذا النظام الواردة تفاصيلها في كتابات  وطروحات فقهاء وشراح القانون، والمتمثلة في الآتي: ان نظام القوائم المشار اليه في اعلاه وقرينه يضعف دور الناخب في تشخيص هوية المرشح، بسبب عدم معرفته للكثير من المرشحين،اي الجهل بالمرشح من قبل الناخب. ويبلغ الجهل ذروته عندما يكون المرشح ضمن القوائم المغلقة. هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان هذا النظام يفسح المجال واسعا للجان الانتخابية لتحشر انوفها في الشأن الانتخابي، بما يفضي الى التاثير في نتائج الانتخابات. وفي هذا الصدد كانت التجربة العراقية شاخصة في المشهد السياسي. يضاف اليه عيب ثالث يتمثل في الكلفة المالية الباهظة، مما يعني ان اصحاب  الثروات الكبيرة سيكونون وحدهم الذين يلجون هذا النشاط الانتخابي. او انهم يدفعون البعض لخوض العملية الانتخابية بتمويل منهم  وتحت شروطهم .

هذا كله جعل الانعطاف لدى المشرع التونسي يتجه نحوالدوائر الانتخابية ذات المقعد الواحد والمرشح الواحد، وجمّل المزايا التي يتمتع بها هذا النظام واستند عليها، ووجد فيها ضالته المتمثلة في  كون المنطقة الانتخابية صغيرة، تنتهي بانتخاب نائب واحد. اي ان ما يقوم به الناخبون هواختيار مرشح واحد فقط من بين عدة مرشحين. اما اذا كانت الدائرة الانتخابية هذه ليس فيها الا مرشح واحد، فحكمه كما بيناه  في السطور السابقة .

وعندما تكون المنطقة الانتخابية صغيرة، فذلك أمر ايجابي لأن الناخب سيعرف المرشح معرفة جيدة، فهو ابن منطقته او ابن محلته، وهذا يلغي موضوع الجهل بالمرشح الذي ينتاب نظام التصويت بالقوائم. لذا وفي ضوء المعرفة الجيدة بالمرشح فان عملية الاختيار تتم بسلاسة ويسر، سواء بالقبول او بالرفض. وهنا يكون المجال واسعا للاختيار الشخصي، نظرا لعلم الناخبين ومعرفتهم بالمرشح من حيث صفاته واخلاقه وسلوكه وحجمه المعرفي، والكفاءة التي هو عليها نسبة الى المهمة التي سيقوم بها.

ولهذا النظام مزية اخرى، حيث انه يقلل من دور اللجان الانتخابية من خلال الكف عن حشر الانف في الشأن الانتخابي، وهذا يعود الى طبيعة هذا النظام الذي يؤمّن الحرية المطلوبة للناخبين في اختيار مرشحهم. وفضلا عما تقدم فان هذا النوع من التصويت لا يتطلب نفقات كبيرة للدعاية الانتخابية، نظرا لسبق المعرفة بشخص المرشح كما بيّنا. وهنا يتوفر المجال واسعا لعديمي الثروة لترشيح انفسهم في الانتخابات، ويقلل من الاعتماد على اصحاب الاموال لفرض اراداتهم في الشأن الانتخابي .

ورغم هذا فان التعديل رغم اللمسات الايجابية التي يتضمنها، فانه لا يخلو من عيوب وعيوب مهمة، لعل أبرزها عدم حسم موضوع الغرفة الثانية للسلطة التشريعية، والمسمى “مجلس الجهات والاقاليم” والبالغة مقاعده 72  مقعدا، مما يجعل السلطة التشريعية تسير برجل واحدة .

عرض مقالات: