في ما يلي سطور تقترب من مضامين (محاضرة خاصة) تحديت فيها، مصاعب جمة لأنهم كانوا قد انتزعوني، عن الموجة المقدسة من الحركة بين الجماهير، بعد أن وضعني العدو البوليسي، بين أسوار متينة جداً في صحراء مظلمة جداً، يعج غبارها يومياً. كنت أريد ان أحيط عالم السجن والسجناء بمعارفي الديالكتيكية كما قال، بوقته، الرفيق سامي احمد. طالما كنت قد قضيت تحت تعذيب الحرس القومي لمدة تقارب ثمانية شهور بتمام اقمارها. احرقت نفسي، ليلا و نهاراً كي لا اشتكي من ألم. سيطرت على كل شيء فقد فضلت ان أكون جدلياً حياً. 

ألقيت المحاضرة أمام مجموعة طلاب (دورة الاقتصاد السياسي)، حين كنت متوقداً برغبة حزبية حارة في ان أحيطهم بمعلومات واسعة تساعد في يقظة الحالة النفسية من خلال إفاضتي بمزيد من التفاصيل في مشهد بتدريسهم، لهذه المادة عام ١٩٦٤ في المدرسة الحزبية، لتدريس السجناء السياسيين في (سجن نقرة السلمان) في الفترة، التي اعقبت انقلاب ٨ شباط الفاشستي، عام ١٩٦٣.  كان أغلب الطلاب نشيطين في (الاستيعاب) و (المذاكرة) و (المناقشة).. كانوا باشد الرغبة في التعلم او في توسيع معلوماتهم او تجديدها، نزولاً عند الرغبات العامة، الموجودة لدى السجناء، كافة. كانت الخطوة الاولى، هي كيفية جعل الطلاب بمستوى معلمهم، لكي يحس الجميع انهم ناضجون. وانهم جماعة من المتحلقين حول نار العلم، وهي نار لا تنطفيء جذوتها مهما تقادم زمان السجن. إننا، هنا، لا نعرف متى نغادر السجن او ربما نموت فيه. ربما يعود (شرطي السجن) يمثل فترة ما قبل ثورة١٤ تموز عام ٥٨ حين كان (الشرطي) يملك او يسرق سلطة واسعة جداً يأمر وينهي، كما يحلو له.

في الحقيقة تم اختياري، من قبل الرفيقين (عبد الوهاب طاهر و سامي احمد) و باقتراح مؤكد منهما، باعتبارهما رئيس و مساعد رئيس المنظمة الحزبية، السجنية، لتدريس طلاب الدورة في (النقرة) مواد (الاقتصاد السياسي) بعد وصولي إلى ذلك السجن البغيض، بداية الشهر الاول من عام ٦٤، اذ سبق، لهما، ان شاهدا إمكانياتي بعد ان كان لهما حضور في اثناء تقديمي محاضرة في عام ٦١ امام رفاق بصراويين، اخترنا لهم بيتاً على نهر (شط العرب) ببساتين منطقة ابي الخصيب، ضم اجتماع ذلك اليوم (حزبيين) من مختلف منظمات الحزب في البصرة. اشاد بها الجميع. كان بعض الرفاق من اللجنة المركزية بما فيهم الرفيق (حمزة سلمان) الذي أكد صحة و صواب المحاضرة، كما اشاد بقدراتي المتميزة في عمق المحتوى و في شكل الالقاء، الرفيق باقر ابراهيم، عضو المكتب السياسي، وراح يتبنى موضوع إرسالي إلى موسكو لإكمال دراستي الجامعية فيها.. لم يتحقق ذلك، مع الأسف. 

في اثناء الدراسة اليومية في صف الاقتصاد السياسي أثيرت مناقشات كثيرة، مرات عديدة، حول دور الملك البابلي، (الملك حمورابي) خلال المحاضرات اليومية التي يرد هذا الاسم الشهير بمحاضراتي المتعاقبة، مما استدعى إلى قيام بعض الطلاب في تقديم طلبهم لي، و استدعائهم إياي، لتقديم محاضرة خاصة عن هذا الملك البابلي. كانت تصوراتهم الاولى أن كثيرا من أناس المجتمع العراقي قد شهدوا زوراً و قالوا زوراً ان نظام الملك فيصل الاول كان يعتلج بالإنسانية و ان نظام الملك فيصل الثاني يحتوي على نور خميلة لا تهزها العواصف الترابية، لذلك فهم يعتقدون ان ثورة ١٤ تموز كانت (عملية زائدة) هيأت محاضرة خاصة بعنوان (قوانين حمورابي) او (شريعة حمورابي) و تم تقديمها في قاعة (كرة الريشة) بالقاووش ًرقم (٣) لأن عدد الحضور كان يزيد على طلاب الصف، فقد حضر عسكريون كثيرون. منهم الرفيق سليم الفخري. كذلك حضرها من المدنيين الرفيق عزيز سباهي، الذي كان يقوم بتدريس مجموعة اخرى من الطلاب نفس مادة الاقتصاد السياسي. كان طلاب دورة سباهي يتسربون، واحداً بعد اخر، بأعذار مختلفة، هدفها الانتقال إلى الصف، الذي أقوم بتدريسه، لانهم يَرَوْن فيه الدرس الأشمل و الاحسن. بعد شهر واحد قامت (هيئة إدارة المدرسة الحزبية) حل الدورة (السباهية) و إلحاق طلابها بدورتين متعاقبتين من دوراتي.

بدأت محاضرتي المشار اليها في بداية دراستي عن الملك حمورابي و التذكير ببعض منجزاته في ظروف حكمه الثابتة و المستقرة، نسبياً، حيث كانت النسبية العملية في حكمه لا تزيد عن مستوى ابتدائي في الوعي القانوني. كان الملك مركباً ذاتياً، لم تشغله الحروب. لم يكن يصنع شيئاً يعيقه عن الانتاج الفكري، المرتبط بالدولة. كان الفراغ الملكي منشغل بأمر من الامور الملكية الكبيرة و الصغيرة المتعلقة بمصالح جميع الناس.  الشيء المهم، هنا، أن الآثاريين المتعاقبين في العراق، اعتبروا اكتشافاتهم البابلية او اكتشافاتهم في بابل، هي واحدة من (اقدم الكتابات المصورة في العالم)، بالتالي هي واحدة من اعظم الاكتشافات..  لقد اهتم الباحثون الاكاديون، اهتماماً استثنائياً، جيداً، ساعد في ترتيب (قوانين حمورابي) و هي أول القوانين المسجلة في التاريخ منصفة الاشياء الصحيحة وانصف الصائب من الإجراءات و إنزال العقوبة بكل خاطيء او مضر بأملاك ملك دولة بابل القديمة. صدرت الشريعة عام ١٧٧٢ ق.م بقصد الاطلاع السكاني عليها و اطلاع العالم، كله، من خلال الدراسات الحضارية القديمة المتواصلة، المرغوبة من قبل مراكز الأبحاث في متاحف لندن و باريس و برلين. كان الملك حمورابي يملك منهجاً صارماً في العمل القانوني، خصوصاً بفترة حكمه الطويل (حيث ظل في دست الحكم مسافة ٤٢ عاماً).

لم يكن الملك حمورابي يعيش عيشة قائمة على الفخفخة و رغد العيش و الكسل الملوكي في نمط الحكم، بل كانت جميع أيامه مقرونة بالعمل اليومي، القائم على شكل معين من اشكال (الحياة المنتجة).

كان أول شكل من اشكال حكمه انه أنتج (دولة) في بلاد النهرين، بالتحديد في بابل، تتسم بما يلي:

اولاً: استطاع بمجهودات شخصية و جماعية توحيد بلاد النهرين القديمة و إيجاد شكل جديد لها. دولة موحدة تقوم على جيش موحد.  لم تكن الدولة الحمورابية حرة و ليست دولة لنشر الحرية. هي دولة قامت على علاقات (السيد و العبد) تدور مع دوران صراع المدارس الفلسفية و أن (شريعة حمورابي) المثالية، عالجت أغلب مشاكل الحياة اليومية للجماهير. و معاقبة المخطيء من الناس و تعويض المتضرر و تحديد الواجبات و حقوق الناس وهي نفس موضوعة تقوم على نفس مباديء المثالية و الدينية ناتجة عن جدلية شبيهة بالجدلية الهيغلية، التي ظهرت بعد قرون عديدة حين أوجد أصولها و فصولها، المثالية، لاحقاً، و تخيلها الفيلسوف الألماني المثالي (جورج هيغل) الذي طور المنهج الجدلي إلى نقيضين يقفان ازاء بعض.. (السيد و العبد). يمثلان مستويين مختلفين من الوعي و النضال، كما في نظرية كارل ماركس، لاحقاً، ايضاً. حيث أسس على ضوئها، الفلسفة الاشتراكية العلمية، القائمة على الصراع بين البورجوازية و البروليتاريا.  

 ثانياً: تنظيم أسس الحياة السياسية و الاقتصادية و العسكرية و الثقافية على وفق الظروف القائمة بتلك المرحلة الطليعية الاولى من المجتمع الانساني. إن ذكاء الملك حمورابي بضرورة تنظيم العلاقة بين (حياة الناس) و (حياة الدولة) على أسس من القوانين و الأنظمة.  كي تتحدد و تتعين واجبات الدولة وواجبات موظفي الدولة و نظام العلاقة بين الناس المختلفين في الامبراطورية البابلية، خاصة بين (السيد البابلي) و (العبد البابلي). من هنا انبثق العقل الشرقي - الرافديني بتنمية عقل منفرد، مختلف عن العقل الأفريقي القديم و عن العقل الأيرلندي القديم و عن العقل الصيني القديم، و غير ذلك.

 ثالثاً: صاغ حمورابي بضعة امور قانونية جيدة لتكون من اقدم القوانين (المكتوبة)، التي راعت الجوانب الاخلاقية و الدينية و الانسانية، المعادية للسلوكيات البدائية و البربرية و قد تضمنت بعض النواحي العقابية كعقوبة الجلد بالسياط او عقوبة الموت او عقوبة السجن المسرفة بمدتها.

بالإمكان القول إن (قانوناً) اشتهر باسم (قانون حمورابي) او باسم (شريعة حمورابي) كان قانوناً وافياً.. يتكون من مقدمة و من ٢٨٢ مادة. كما ضم القانون (خاتمة) في اول سرد ملكي عن قانون بنمط من خطابات الدولة الأولى في التاريخ.. يمكن اعتبارها مرجعاً حقيقياً في التاريخ بما يتيحه و يضفيه المعنى الاساسي، الذي سمح به وأراده الملك حمورابي، او لسلطته.

كانت (شريعة حمورابي) تكتب و تنشر على عامة الناس بتعليقها بمكان (عام) كي يراها جميع السكان البابليين.  حتى يعرف كل انسان ما له من حقوق و ما عليه من واجبات. بموجب هذه الشريعة، التي تم النص المكتوب و المعلن على مبداً (العين بالعين و السن بالسن) و هي اول فلسفة إنسانية، عقابية، في هذا الصدد. النص الأصلي لهذه القوانين مدون على مسّلة حجرية تسمى (مسّلة حمورابي) موجودة و مسجلة، تاريخياً، في متحف اللوفر في باريس.. تعتبر هذه المسلة اول محاولة جدلية، تاريخية، لشؤون الانسان.

نصت احدى المواد من شريعة حمورابي، ايضاً، على ان (الملك حمورابي) قرر ان يكون من حق (السيد) ان يقطع (أذن العبد). حين يقول قولاً ينكر فيه سيادة سيده عليه. اما عن سرقة احدى المواشي او اكثر فانه ملزم بدفع ثلاثة أضعاف ثمنها.

اما اذا الحق احدهم (عاهة) او حالة من حالات (التشويه) في وجه اي انسان اخر فان العقاب القانوني يتضمن جريانه بالمساواة بحق الجاني و المجني عليه، اي شرط ان يكون الجاني و المجني عليه سيدين او عبدين. اما اذا قام سيد بتشويه عبد فانه يمكنه التعويض بالمال.

تعرف (شريعة حمورابي) انها مجموعة قوانين و قواعد سنها الملك حمورابي كي يعيش الناس في ظل حكومة دولته بأقل الصعوبات فيها تعليمات تفصيلية حول العلاقات الاجتماعية الشاملة، خاصة ما يتعلق بالزواج و الطلاق و تربية الأطفال و حقوق كل زوج في حالة الطلاق. كان حدوث الطلاق نادراً ما يحصل. و قد كان تسجيل الزواج أمراً يحتاج إلى إجراءات رسمية عديدة و قد جرى السماح بتعدد الزوجات. كان المجتمع البابلي يسمح باتخاذ عشيقة إلى جانب الزوجة. اما في حالة ثبوت خيانة الزوجة فإنها تعاقب بإغراقها مع عشيقها في النهر بصورة علنية.

كما تضمنت شريعة حمورابي بعض القوانين الأخرى، مثل:

* اذا قام مقاول ببناء بيت سرعان ما وقع على أصحابه. فان المقاول (يعدم) و اذا كان ميتاً يجري (إعدام) ابنه.

* اذا اخطأ القاضي بإصدار قرار يضر بالمتهم فان القاضي ملزم هو او غيره بإصدار قرار آخر بإطلاق سراح المجني عليه و يقضي القاضي، نفسه، بقية العقوبة في داخل السجن ب١٢ ضعفاً.

* حين يقوم رجل بضرب امرأة حامل و مات الجنين في رحمها يجري عقاب (ابنة الرجل) بالموت.

*العين بالعين. اي اذا فقع احدهم عين الآخر، يصير من حق الآخر ان يفقع عين الذي ضربه.

* من حق الانسان المضروب على وجهه وانكسر سن من اسنانه فمن حق المجني عليه ان يكسر سن الجاني.

* كل جان من الجناة في جميع الحالات المذكورة يدفع تعويضات اذا كان من طبقة (السادة) اما (العبد) فيجري تطبيق العقوبة المساوية.

* كثيرة هي الحالات المدون فيها العقاب المفروض على الجاني. 

كان المجتمع البابلي مجتمعاً طبقياً، عبودياً، هو اول مجتمع من مجتمعات الرّق و الاستعباد. كان الانقسام فيه طبقياً و دينياً، تكون فيه جميع العقوبات رادعة في المساس بمصالح (السادة) الأغنياء. حيث المنصوص في (الشريعة) أنه في حالة قيام اي (عبد) بسرقة اي حاجة من أملاك المعابد الرسمية او العائدة ملكيتها إلى الملكية الحمورابية فان العقاب هو الإعدام فوراً و علناً. مثلما هو الإعدام، ايضاً. 

وجدت ضمن (شريعة حمورابي) بعض القوانين لحماية (الفلاحين) من (المرابين) في حالة حدوثها. كما قام نظام الملك حمورابي، بحماية النظام الإروائي، وقد كان لهذه الحماية دور في ازدهار الزراعة و بيع منتجاتها 

هذا هو الإمبراطور حمورابي و معه جميع أمراء دولة بابل يقفون بأعلى منصة، بحراسة مشددة من الحرس الإمبراطوري.

لقد حدث ما حدث في ايام تلك الدولة و زمانها. كسب حمورابي معركته الاولى في التاريخ الانساني. ها هو العرش الخالي، في اللحظة الراهنة. لا يوجد حمورابي وليست الأوضاع في بابل و ما حواليها بكل دولة العراق ليست هادئة و لا سعيدة بسبب الاشباح البورجوازية السوداء، التي قام كارل ماركس بمتابعة جميع العوارض البورجوازية و طبيعتها الحجرية، النازلة بأحجار السجيل على رؤوس الناس الفقراء في صفوف الطبقة البروليتارية. التاريخ ليس قصيراً. لا يظل الكادح الفقير في كهفه. سيخرج، حتماً متحالفاً مع جميع الصادقين في النضال معه. لا بد من الاستفادة التامة من دروس انقلاب ٨ شباط بترتيب امور الجيش. يحتاج حزبنا، الحزب الشيوعي إلى التوجيه البطولي في كسب الرتب العليا المختلفة من الضباط الوطنيين. خاصة من اولئك المسؤولين بحماية القصر الجمهوري. ان الجيش الوطني المخلص هو الشجاع، المهذب، القادر على تهذيب المجتمع في يوم احتفاله بالنصر البروليتاري المؤكد في يوم من ايام الرغبة الوطنية، النبيلة، مهما طال الزمان او قصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقرة السلمان في شهر آب ١٩٦٥

عرض مقالات: