الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا هي واحدة من اخطر الحروب التي تهدد السلم العالمي وهي حرب امبريالية بامتياز يحاول البعض تصورها على انها صراع ايديولجي بين الشرق والغرب، بين روسيا العائدة إلى الشيوعية والغرب الرأسمالي الحامي لقيم الديمقراطية والحرية، ولكن هذه الدعاية السوداء لا تنطلي على الذين يعرفون الحقائق والوقائع التاريخية والأهداف التي يسعى كلا الطرفين لتحقيقها من هذه الحرب الطائشة، أنها حرب إمبريالية  بين الأوليغارشية الروسية والرأسمال المعولم تهدف إلى اعادة اقتسام المعالم  ورسم خريطة جديدة جيوسياسية تسمح بتعدد الاقطاب وإلغاء هيمنة القطب الواحد، وهي في ذات الوقت حرب في الوكالة أصبحت الاراضي الاوكرانية ساحتها والشعبان الاوكراني والروسي ضحيتها.

وللبحث عن الاسباب الحقيقية للحرب لابد من العودة إلى بداية الازمة بين روسيا والولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي في عام 2001 حينما تم وضع  استراتيجية الردع النووي الأمريكي وبرنامج الدرع الصاروخي الأمريكي في أوربا، عندما تولي الرئيس (جورج بوش) الرئاسة في 20 يناير 2001م، وأشار في خطابه أمام الكونجرس مساء 27 فبراير 2001م ، إلى عزمه المضي قدماً في خططه الرامية إلى إقامة درع الصواريخ الدفاعية الأمريكية الجديدة، وقال إن الولايات المتحدة في حاجة إلى وجود استراتيجية واضحة للردع ردا على ما أسماه تهديدات القرن الحادي والعشرين، وأشار إلى أن توازن الرعب إبان الحرب الباردة قد ولَّى، وأعلن انسحاب بلاده بشكل نهائي من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ (إيه بي ام) في 13 يونيو 2002م، الموقعة في عام 1972بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة.

شكل خطاب بوش البداية نحو إفساح المجال أمام إجراء تجارب جديدة لتطوير أنظمة الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية البعيدة المدى والعابرة للقارات وبناء الدفاعات الصاروخية الاستراتيجية وتوسيع عضوية حلف شمال الاطلسي في اوربا الشرقية، وقوبل هذا الانسحاب بانتقادات ومعارضة قوية من جانب روسيا والصين وعدد من دول أخرى، واعتبرت الدول المعارضة ان هذه الخطوة ستؤدي إلى تشجيع سباق التسلُّح والاستمرار في إجراء التجارب النووية، وقد برر نائب وزير الدفاع فولتر  في حينه بأن هذه الخطوة تأتي لتلبيه ضرورات الأمن القومي الأمريكي وحاجة الآلة العسكرية الأمريكية لحماية مصالحها الحيوية وتأمين امن بلادها، بالإضافة إلى الحاجات العملياتية العسكرية لإجراء التجارب النووية العملية لمعرفة فعالية وصلاحية الأسلحة النووية الصاروخية .

وتعمقت الأزمة بين حلف شمال الاطلسي بزعامة الولايات المتحدة الامريكية في عام 2007  حينما اشرعت الولايات المتحدة بنصب أنظمة الدرع الصاروخي في كل من بولونيا و تشيكيا، ، حيث تصريحات رئيس الاركان الروسية وقائد سلاح الصواريخ  في شهر شباط 2007  الجنرال نيكولاي سولوفتسوف رئيس أركان القوات الاستراتيجية الروسية آنذاك خلال مؤتمره الصحفي في موسكو بأنه في حال اتخذت الحكومتان البولندية والتشيكية مثل هذا القرار، وقبولهما بنشر الدروع الاميركية المضادة للصواريخ، فان القوات الاستراتيجية الروسية ستوجه صواريخها إلى هذه المنشآت،  مذكرا بان سلاح الصواريخ الروسي كان بحوزته نظام صواريخ( بيونير) القادرة على الوصول إلى مسافة 5500 كم، وأشار أيضا على الرغم من إلغاء الصواريخ المتوسطة المدى بموجب المعاهدة الاميركية السوفيتية حول القوى النووية متوسطة المدى، الا انه سيكون من السهل جدا استئناف إنتاج هذه الصواريخ في حال اتخذ قرار الانسحاب من المعاهدة التي أبرمت إبان الحرب الباردة في عام 1987.

وجاءت الانتقادات اللاذعة التي وجهها الرئيس بوتن في المؤتمر الأمني في ميونخ لتشكل البداية للانتقادات إلحاده للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وأتهاميهما بتهديد بلاده، فقد قال بوتن في المؤتمر [إن أميركا من خلال استخدامها المفرط للقوة، تجاوزت حدودها الوطنية، بحيث لم يعد أحد يشعر بالأمان، كما لم يعد أحد قادراً على الاحتماء بالجدار الصلب للقانون الدولي]، وتعتبر هذه التصريحات بمثابة عودة إلى أجواء الحرب الباردة وتداعياتها الباهضة الثمن على شعوب المعمورة.

وأعلنت مصادر في وزارة الخارجية الاميركية، أن الولايات المتحدة أبلغت بشكل منتظم روسيا ومنذ ثلاث سنوات عن مشروعها المتعلق بالدرع المضاد للصواريخ، مؤكدة ان موسكو لم تعرب عن قلقها حيال هذه المسألة، وقال متحدث باسم الوزارة (توم كايسي) للصحافيين يبدو أن البعض يعتقد إننا لم نتشاور مع الحكومة الروسية في هذه المسألة، ولكن الواقع هو إننا استشرناهم طويلا وعدة مرات خلال الأعوام الماضية.

ولكن وزير الدفاع الأمريكي كان أكثر وضوحا من غيره في تبرير عملية نشر أنظمة الدرع الصاروخي، فقد أكد غيتس (أن بلاده تحتاج إلى كافة الوسائل العسكرية المطلوبة لجيش يخوض نزاعا، لأننا لا نعرف ماذا سيحدث في أماكن مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران)، وأشار وزير الدفاع الأمريكي غيتس ان حربا باردة واحدة تكفي، وذلك في رده على الانتقادات التي وجهها الرئيس الروسي لبلاده.

وتأتي هذه الأقوال في الوقت الذي قامت به أمريكا بوضع اكبر محطة رادار ذات مرابطة بحرية على القرب من سواحل روسيا الشرقية حيث توجد قاعدة للغواصات الاستراتيجية في كامتشاتكا، وتنظر روسيا بعين بشك والريبة لهذه الخطط والتحركات الأمريكية خصوصا فيما يتعلق بنصب مكونات نظام الدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا الشرقية، ولا ترى موسكو بان نصب مكونات نظام الدفاع المضاد للصواريخ غرضها حماية أمريكا وحلفائها من هجوم محتمل من إيران وكوريا الشمالية، بل يرى الخبراء الروس ان كوريا وإيران لا تملكان الصواريخ العابرة ولايمكنهما الحصول عليها أو تصنيعها خلال العشر سنوات القادمة ، وأعربوا عن قناعتهم بان الخطط الأمريكية تستهدف روسيا.

ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية السابقة تسعى الولايات المتحدة و حلفاؤها في حلف شمال الاطلسي إلى توسعة الحلف والاتجاه إلى ضم دول أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق إلى الناتو، حيث تم ضم دولة المجر والتشيك وبولندا في عام 1999 إلى المنظمة وجرى توسعٌ آخر بضم سبعة دول من أوروبا الوسطى والشرقية هي: بلغاريا، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، ورومانيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا. دُعيت هذه الدول لأول مرة للبدء بمحادثات العضوية خلال قمة براغ في عام 2002، وانضمت إلى الناتو قبل فترة قصيرة من قمة إسطنبول في عام 2004. انضمت ألبانيا وكرواتيا في 1 أبريل عام 2009، قبل قمة ستراسبورغ-كيل عام 2009. و تعد دولة الجبل الأسود الدولة العضو الأخيرة التي انضمت إلى الناتو وذلك في 5 يونيو عام 2017. بدءًا من عام 2019، يعترف الناتو رسميًا بأربعة أعضاء طامحين هم: البوسنة والهرسك، وجورجيا، ومقدونيا الشمالية، وأوكرانيا. وقّعت مقدونيا الشمالية بروتوكول الانضمام لتصبح دولة عضوًا في الناتو في فبراير عام 2019.

ان  سياسة امريكا في توسيع عضوية الحلف على الحدود الروسية هي التي أدت إلى نشوب الحرب الروسية - الاوكرانية بسبب المخاوف الروسية ومطالبتها بالضمانات الأمنية من أمريكا وحلف شمال الاطلسي ودعوتها إلى وقف تشجع استمرار الاستفزازات الاوكرانية التي عرقلة  تطبيق اتفاق مينسك لحل مشكلة اقليم دونباس، وتعود هذه السياسة التي اعتمدها الإدارة الأمريكية في الصراع الروسي الاوكراني  إلى تراث الحرب الباردة، الذي وضع اساسها الرئيس الأمريكي تورمان في الخمسينات، وتستند على العمل على نشر شبكات صواريخ دفاعية فعالة تقلل من أهمية استخدام أسلحة الدمار الشامل وأنظمة إطلاقها، ويرى السيتراتيجيون الأمريكيون ان بروز أعداء إقليميين مسلحين بأسلحة كيميائية، وبيولوجية يتطلب من الولايات المتحدة وحلفائها اتخاذ جملة من الإجراءات والاستفادة من الفرص التكنولوجية الخاصة بتطوير الأسلحة الصاروخية لمواجهة هؤلاء الأعداء المحتملين في حالة استخدامهم الصواريخ البعيدة المدى الحاملة للرؤوس النووية، مما يجعل من نشر شبكات الصواريخ الدفاعية على الحدود الروسية وعضوية اوكرانيا وجورجيا وقبلهما دول البلطيق وبولندا ورمانيا  ذات أهمية بالغة في استراتيجية الردع النووي الصاروخي وسوف تمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها من حسم النزاعات القتالية الميدانية و التقليل من تهديد الهجوم صاروخي ونتائجه المدمرة . وجرى تطوير هذا البرنامج في زمن “رونالد ريجان” الذي تولى الرئاسة خلال الثمانينات، ووضع ما يسمى بمبادرة الدفاع الاستراتيجي. (SDI)، و برنامج الحرب الالكترونية (حرب النجوم).

 ان التطورات  الدراماتيكية في الأزمة الروسية - الاوكرانية وما تبعها من اجراءات اقتصادية وعقوبات قاسية ضد روسيا بسبب خرقها للقانون الدولي ومواثيق الامم المتحدة  في غزو اوكرانيا لم تعد في أطار الصراع المسلح بين البلدين فقد امتدت آثارها على جميع انحاء المعمورة ومنها بلادنا العراق والبلدان العربية والشرق اوسطية، فكلا البلدين يرتبطان في علاقة وثيقة مع العديد من الدول في المنطقة حيث العلاقات التجارية ، فأوكرانيا وروسيا  المصدر رئيسي لتصدير الحبوب إلى البلدان العربية،  وأدت العقوبات والحرب إلى التأثير على استيراد الحبوب وارتفاع اسعار الخبز نتيجة ارتفاع اسعار الحبوب، ولا يمكن معالجة ذلك في ظل ضعف الانتاج المحلي من الحبوب في البلدان العربية والشرق الأوسطية، بسبب  شحة المياه وعوامل الجفاف، إضافة إلى الاسعار الغير منصفة للحبوب في  الولايات المتحدة وكندا وفرنسا التي تعتبر البدائل التي يمكن الاستعاضة بها عن الاسواق الروسية والاوكرانية

أما الجانب الاخر والمتعلق في نقص امدادات الطاقة في العالم نتيجة الحصار على الاسواق الروسية للطاقة ومحدودية تعاملاتها والذي يفسح المجال للاحتكارات في الاستفادة من الازمة لجني ارباح طائلة على حساب الشعوب، وقد ارتفعت اسعار النفط والغاز منذ العملية العسكرية بمقدار الضعف وسوف ترتفع أكثر مستقبلا. ان الفائض النقدي لهذه الازمة سوف يذهب إلى جيوب الشركات الاحتكارية في مجال الصناعات التحويلية والغذائية بالإضافة إلى أثار التضخم والركود الذي سوف يعاني منه الاقتصاد العالمي.

 وسوف يخلق احتكاكات بين روسيا و الولايات المتحدة في بؤر الصراع و التوتر في ليبيا وسوريا واليمن ومخاطر ذلك على السلم والامن العالمي. وعلى الصعيد الانساني فقد تعرض ملايين البشر من الاوكرانيين إلى هجرة موطنهم وراح ضحية الحرب عشرات الآلاف من الشعبين الروسي والأوكراني.

ان نزع فتيل الحرب والعودة للتفاوض السلمي يصب في مصلحة السلم العالمي وفي مصلحة شعوب العالم وفي مقدمتهم الشعبان الشقيقان الروسي والأوكراني.

عرض مقالات: