لم تعد درجة المستشار في بطون دواوين الرئاسات الثلاث أو ثنايا دوائر الدولة الأخرى محدودة العدد أو واضحة المقاصد أو قاصرة على الكفاءات العلمية، أو محددة حتى في ملاك أو درجة، إنما صارت هذه الصفة تنطبق على كل مقرب من الأحزاب أو نائب لم يفلح في الانتخاب أو لمن هو غير أهل لهذه الصفة لأنها تتبع ذلك الموصوف. كما وان انتشار ظاهرة المستشارين يشير إلى ضعف كفاءة المسؤولين في عموم مرافق الدولة ويبرز حقيقة خلو هذه الدولة من ضوابط الترقية واصول التعيين. بل وحتى ضوابط الصرف المالي الحكومي.

أن العراق قبل العام 2003 لم يكن يعرف درجة المستشار إلا بأضيق الحدود وفي الحالات التي يكثر فيها الاجتهاد، وهي أن وجدت فهي حالات نادرة، والنظام الإداري كان قائما على وحدة الملاك وتكامل وتعاون مكونات الهرم الإداري، فالكادر الإداري من المدير العام صعودا إلى الوزير هو قائم على نظام وحدة المسؤولية، فمعاونو المدير العام هم المستشارون الذين يعول عليهم  المدير العام وهم يقدمون المشورة كل حسب اختصاصه وهم يتقاسمون بينيا الخبرة فكل منهم يقوم بدور الآخر لغياب أحدهم لأي سبب كان، وكذلك ينطبق الحال على وكلاء الوزارة والوزير، لقد تحولت الدولة تدريجيا بعد عمليات التأميم عام 1964 من دولة رأسمالية إلى دولة يقودها القطاع العام، وهذا يعني أن الدولة اخذت تصنع وأخذت تتاجر وأخذت تستكشف النفط وتعمل على تصفيته بمصافيها الحكومية، وصارت تقدم خدمات المصارف والتأمين، كل هذه العملية تمت بسلاسة منقطعة النظير بفعل الوزير المعبأ بالمعرفة بتفاصيل عمل وزارته، أو بفعل كفاءة المدير العام وطاقم إدارته، وللتاريخ فان مصلحة المبايعات الحكومية التي أسستها ثورة 14 تموز عام 1959 كانت الأساس في مد القطاع العام التجاري والصناعي بالكادرات المتمرسة بالعمل الجديد وكانت بمثابة المدرسة التي تخرج الموظفين الحكوميين المؤهلين لقيادة العمل اليومي لجميع القطاعات، وتلتها المؤسسة الاقتصادية وعلى رأسها المرحوم خير الدين حسيب، فكانت هي الأخرى تعمل على التوفيق بين النظام الإداري الحكومي القديم والنظام الإداري الحكومي الجديد، ولم يكن كل هذا التحول قد لجأ إلى المستشارين، بل كان الوزير هو المستشار لنفسه وهو المستشار لمن هم أدنى منه، وذلك لكفاءة هذا الوزير أو ذاك المدير العام، والجامع لكل تلك الأنشطة هو التمسك بقوانين الدولة والخوف من عاقبة مخالفة تلك القوانين، كما وان إخلاص المسؤول لعمله يعد عاملا ثانيا في بناء دولة المؤسسات، وثالثا وطنية المسؤول وحرصه على نجاح خطط الوزارة أو المؤسسة او المنشأة. وقد كانت الدولة ابان الحصار عن طريق الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية (على سبيل المثال) تلبي حاجة المواطن بالمواد الغذائية الأساسية وبطريقة أذهلت العالم، إذ لا يمكن لأي دولة أن تصل إلى أقرب نقطة تسهل لكل المواطنين الحصول على قوتهم دون عناء أو مشاكل او فوضى تعيق تحقيق الهدف، ولم تكن وزارة التجارة على الإطلاق تعرف ما هو المستشار، كما هو معمول به اليوم حيث لا ترتبط أجهزة الدولة بالمواطن إلا من خلال دوائر عاجزة بالمطلق عن تحقيق مصلحة هذا المواطن أو تلك الشريحة لكنها كما نراها تروج للمستشارين.

لقد كان للاحتلال وبالذات الحاكم المدني بول بريمر الفضل في فتح الباب على مصراعيه للتعيين العشوائي واختلاق الدرجات والعناوين ومنها درجة المستشار، الذي صارت بمثابة الهبة التي تقدم للموالين الذين لا يمتلكون الخدمة السابقة أو التجربة الغنية أو حتى الشهادة المناسبة، فقد تم مؤخرا، على سبيل المثال، تعيين خريج قسم القانون في مجلس النواب مستشارا للشؤون الاقتصادية وهو لم تمض على تخرجه الا سنوات قليلة، لا تؤهله لأن يكون مستشارا، أو أن يتم تعيين نائبة فاشلة انتخابيا مستشارة لرئيس الوزراء، أو أن يعين نائب سابق مستشارا فنيا في ديوان مجلس الوزراء، أي أن الدرجة تستحدث بعشوائية أو تفصل على مقاس المقصود، بتعبير اخر يستحضر المستشار ثم يتم استحداث الدرجة، في حين أن كل قوانين الإدارة العامة في كل دول العالم تستحدث الدرجة وتحدد شروط التعيين فيها وتعلن في  وسائل الإعلام بكل شفافية  ويتم التنافس على أشغالها.

أننا لسنا في معرض توجيه النقد لدرجة المستشار، لكن نتساءل لماذا المستشار؟ إذا كان المسؤول متمكن غير كسول، لماذا المستشار إذا كانت القوانين تطبق بشفافية وفي وضح النهار، لماذا كل هذا البذخ على هذه الدرجات؟ علما أن راتب و مكافأة المستشار تحل مشكلة عشرات العاطلين الذين طال بهم الانتظار.