لم تعد الطبقة الوسطى في العراق تمتلك تلك الحدود الهلامية مع الطبقة العاملة، بفعل عمليات الاهمال والتهميش الحكومي لها، أذ أخذت هذه الطبقة تذوب في ثنايا الطبقة العاملة وهي تحمل في أفكارها هموم الفقر وهموم المجتمع واخذت تعمل كما يرى ماركس عملها التنويري لهذه الطبقة المسحوقة بفعل سلطة رأس المال، ولكن هذه المرة وفي العراق بالذات، سلطة رأس المال السياسي لا سلطة رأس المال الإنتاجي، التي تقام على أساس الملكية لوسائل هذا الإنتاج.

وما يتلوها من علاقات متناقضة في المصالح والأهداف. بل الموقف اليوم يتركز حول فئة قليلة ممن ابتلت بها السياسة، استولت على السلطة بعد العام ٢٠٠٣ ، وأخرى جاءت مع المحتل أو في أثر دبابته، وقيام ذلك المحتل بتسليمها زمام الأمور ليشكلا معا الزعامة الجديدة التي لا تمتلك أبجدية او مبادئ الإدارة أو حتى امتلاكها أبسط مستلزمات أو كاريزما القيادة ، وفد زاد الطين بلة هو العملية المبرمجة لإيقاف الكفاءات والتقليل من شأنها دفعا لها للتخلي عن دورها الوطني لصالح فئات استلت الشهادة العلمية من أسواق التزوير لتتبوأ بها أعلى المناصب الحكومية، ولتملأ الدرجات العلمية حتى في أعرق الجامعات العراقية، وهكذا تشوهت صورة العراق بعد زوال سلطة البعث، وانفلتت الأوضاع جراء الاحتلال وانطلاق الكثير من المتربصين والنهابين صوب الأموال العامة والأملاك العائدة للقطاع العام، مشكلين بذلك نواة شريحة جديدة تنعمت بغنى فاحش غريب عنها تماما، وساعدت هذه الشريحة طموح الزعامات العائدة من الخارج وهي تحمل في جعبها خرائط جديدة لم تزل قيد الغموض. أو قيد التنفيذ.

إن مكونات الشريحة الجديدة متألفة بفعل عوامل السيطرة على الدولة وكافة مرافقها وهي متباينة في الأصول والتوجهات، لا بل حتى في نهم السيطرة والاستحواذ،  وأن أغلب العناصر المكونة لهذه الشريحة هم من بعض القادة السياسيين أو من زعامات دينية كانت مهمشة أو كانت تتحين الفرص للإيقاع بالنظام السابق، او من العناصر الكردية الارستقراطية التي تناقضت مصالحها مع البعث، تضاف إليها ثلة من الوصوليين والانتهازيين من أولئك الذين جمعهم بالسياسة حب الزعامة والمال، وبعد مضي مدة قليلة تجلت هذه الشريحة عن عناصر متباينة في التوجهات والنزعات والآمال، ودب الخلاف بينها للتتشرنق وتفرخ أحزابا أو مكونات سياسية أو مجاميع عسكرية بفعل عوامل عاطفية ناتجة عن الولاءات الطائفية أو الميول العنصرية ، ولم تعد هذه الشريحة تنتمي إلى أصولها الاجتماعية بل غادرت حاراتها القديمة والفقيرة إلى رحاب القصور الرئاسية أو الأحياء السكنية المترفة، وامتلأت بها الجادرية والحارثية والمنصور تاركة جذورها أكثر فاقة وفقرا، وبفعل عوامل السيطرة على الأموال العامة ابتعدت في درجة تنكرها لجذورها إلى حد القطيعة متجاوزة إلى حد كبير قواعد السلوك في المجتمع العراقي، والغريب انها لم تستثمر الأموال المسروقة في إنتاج الخيرات لبلدها،  بل توجهت بها إلى مكامن جديدة خارج العراق، أما في البنوك الغربية أو العربية أو الإيرانية أو حتى التركية ، فكانت النتيجة خسارة مضاعفة خسارة في أموال الدولة وخسارة في الاستثمار، وفتحت الأبواب على كافة مصاريعها لغسيل الأموال عن طريق الاستيراد غير المنضبط وعلى كافة المناسئ ولكافة أنواع السلع الضارة والمفيدة، منافسة بشكل خسيس الرأسمال الوطني العام المتمثل بمصانع الدولة أو مصانع القطاع الخاص، وهكذا تخلت هذه الشريحة عن انتمائها الوطني بكل سهوله، لتبدأ مرحلة غريبة وجديدة من الفرز الاجتماعي تجلت في تأكل الطبقة الوسطى وتوسع نطاق الطبقة العاملة، وقد لخص هذا التحول بكل دقة تقرير  اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في اجتماعها الاعتيادي المنعقد في كانون الثاني عام ٢٠٢١ ،حيث جاء فيه، أن حالة من الفرز الاجتماعي والطبقي تجري في المجتمع على نحو أوضح من السابق وان شرائح وفئات واسعة تنضم إلى المهمشين والعاطلين عن العمل الباحثين عن لقمة العيش، تاركة بذلك الاستغلال المبرمج للمال العام لتشكل وتوسع طبقة الفقراء، وأنها بالمقابل لا تتمكن من تشكيل طبقة لذاتها لأنها لا تمتلك العوامل والدوافع الإنتاجية اللازمة لتشكيل الطبقات الاجتماعية، وبالتالي ستظل هذه الفئة أو الشريحة صغيرة همشها التناقض الاجتماعي وستظل متحسبة خائفة لذا قام البعض منها بوضع سياج أمني يحميه من غضب الناس، وأخذ هذا البعض يتنقل في مواكب مبهرة معبأة بعناصر أمنية قوامها عجلات كان ملوك العراق لا يحلمون بها ولزيادة أموالها تبنى الكثير من عناصرها عصابات الجريمة المنظمة أو مافيات تهريب السلاح وتجارة المخدرات أو الاتجار بالبشر أو حماية النوادي والبارات أو دور اللهو الليلية اضافة إلى عمليات الاستحواذ المستمر على المال العام ( اللجان الاقتصادية) وبلغت خسائر الدولة جراء ذلك ما يقارب النصف تريليون دولار .

إن الانتقال الآلي والمبرمج للمال العام إلى أيادي وصناديق هذه الشريحة قابله ابعاد الي ومبرمج للعقول والكفاءات التي تمتلكها الطبقة الوسطى أما خوفا منها ومن كفاءة عناصرها في كشف المستور أو تحاشيا لحقدها الطبقي المشروع، وفي الحالتين كانت الطبقة الوسطى في مقدمة متظاهري تشرين تعمل على تنوير قواعد تلك المظاهرات التي مثلت في كل مراحلها اعتبارا من تظاهرات عام ٢٠١٢ القوى المضطهدة من العمال والعاطلين عن العمل وحشود الفقراء والمثقفين المهمشين والطلبة المستقلين وانضمت إليهم مؤخرا حشود  الفلاحين التي جفت أراضيهم بفعل الاهمال الحكومي إضافة إلى حشود من جبهة الديمقراطيين والتقدمين ليشكل هذا الجمع الغفير  أحسن أشكال الاصطفاف الطبقي القاتم على ديمومة الصراع السلمي مع أصحاب الرأسمال الحكومي المنهوب ومع فئات اجتماعية طفيلية استطاعت بمعونة المحتل اغتصاب سلطة الدولة ومالها العام ..