أربكت جائحة كوفيد-19 نظامنا الاجتماعي والاقتصادي بسرعة البرق وعلى نطاق لم نشهده من قبل في تاريخنا الحديث، ويواصل الفيروس حصد الأرواح بصورة مأساوية، كما تأثرت حياة المليارات من البشر بإجراءات الحظر اللازمة لمكافحته.

فحماية المتضررين من الأفراد والشركات من خلال إجراءات كبيرة موجهة وجيدة التوقيت على مستوى المالية العامة والقطاع المالي. وتأجيل الضرائب، ودعم الأجور، والتحويلات النقدية للقطاعات الأكثر هشاشة؛ وتمديد تأمينات البطالة والمساعدات الاجتماعية؛ وتعديل ضمانات الائتمان وشروط القروض بصفة مؤقتة أولوية اقتصادية، فمن الضروري الحفاظ على شريان الحياة للأسر ومؤسسات الأعمال، مع الحاجة إلى الحيلولة دون تحول ضغوط السيولة إلى مشكلات في الملاءة وتجنب أي آثار غائرة على الاقتصاد من شأنها أن تجعل التعافي أصعب بكثير.

وبهذا الصدد نتساءل تمهيداً للإجابة ما هي التجارة الخارجية ومقومات التجارة الخارجية؟

التجارة بصفة عامة هي من أساسيات قيام الدول وتطور اقتصادها حيث أنها تعمل على تبادل وتداول السلع بين الدول، كما أنها تتوسع بنطاق كبير حيث أصبح التداول ليس في تبادل السلع بالسلع وانما أصبح تدول السلع بالمال والعكس ومن ثم فأن مقومات التجارة الخارجية تتمثل في:

- تعدد وسائل النقل التي تساعد على نقل المواد المنتجة الى المكان المراد التسويق فيه.

- توفير الاسواق التجارية التي تتم من خلالها توافر عملية التبادل التجاري في السلع.

- انتاج المواد المراد تسويقها فهذه تعتبر من أهم مقومات التجارة.

- زيادة مبالغ رأس المال لأنه العامل الأساسي والوحيد الذي يساعد على نجاح التجارة، بالمعنى يجب على الدولة توفير رأس مال كبير حتى تستطيع الدولة تنشيط اقتصادها.

- توفير الطريقة الأمنة التي تساعد على تبادل السلع بين البائع والمشتري.

تلعب التجارة دورا مهما في الاقتصاد العراقي، حيث تساهم بتكوين من الناتج المحلي الإجمالي، وتساهم في خلق فرص عمل، فضلاً عن أنها تساهم في سد ‏حاجيات السكان.

ويؤكد بدوره تقرير صدر مؤخراً عن البنك الدولي أهمية تنمية وتنويع التجارة في العراق لدعم النمو والازدهار الوطنيين، ومع ذلك، فإن عقود من الصراع تركت العراق في حالة فريدة فيما يتعلق بالتجارة والسياسة التجارية.

يعد العراق من اقل الدول تنويعاً في الصادرات في العالم والتي لا تتعدى 4بالمائة من صادرات العراق غير نفطية.

يفرض العراق الكثير من اللوائح التنظيمية على الاستيرادات تتطلب استحصال ترخيص خاص، فضلاً عن ترخيص أخر للحصول على العملة الاجنبية.

 وزارة التجارة العراقية بدورها هي الوحيدة المسؤولة عن توزيع الحصص التموينية على عامة السكان، وهذا ميراث يعود الى فترة العقوبات الدولية التي فرضت على العراق خلال التسعينات وبرنامج الأمم المتحدة للنفط مقابل الغذاء الذي انتهى في عام 2003. وهناك عدد كبير من الشركات المملوكة للدولة تضطلع بتنظيم جوانب مختلفة من الاستيراد.

ومما يزيد الوضع تعقيداً على الحدود، أن يحتفظ العراق بحكم الواقع بنظامين كمركيين، أحدهما في اقليم كردستان والآخر يغطي بقية البلاد. وتختلف جداول التعريفة والإجراءات الحدودية بين المنطقتين، وقد بلغ الأمر أن تكون هناك نقاط تفتيش داخلية على الطرق السريعة مما أدى إلى تثبيط حركة الشاحنات بين المنطقتين.

وهذا يدعو الى الحاجة الواضحة لتحسين مرافق إدارة الحدود، يجب تبسيط ورقمنة عمليات الإجراءات التجارية من خلال الاستخدام المناسب لتكنولوجيا التجارة. ويمكن للتقنيات الحديثة لإدارة المخاطر أن تجعل عمليات تفتيش البضائع أكثر انتقائية وتسرّع التجارة على الحدود.

فالاقتصاد العراقي يتطلب جرعة من تفعيل مقومات التجارة تتمثل بجرعة في المنافسة لإعادة تنظيم قطاعه العام الضخم والقطاع الخاص ذي الروابط السياسية، وتعزيز الاقتصاد الخاص غير النفطي، والإسهام في رفع مستوى الكفاءة، فالمنافسة والقدرة على التنافس ضروريان لخلق الفرص الاقتصادية، ويمكن أن يساعد السماح للشركات بالتنافس مع بعضها البعض على أساس تكافؤ الفرص في زيادة دخل الأسرة عن طريق خفض الأسعار وتحفيز التقدم التكنولوجي، وتوجيه النمو الاقتصادي، وتقليل انعدام المساواة. ولكي تنجح المنافسة يجب أن تكون هناك قدرة على التنافس. وبعبارة أخرى، يجب أن يكون من السهل للشركات الخروج من السوق والدخول اليها مع ظهور الفرص. وثمة إجراء آخر يمكن أن يرفع من مستوى المنافسة في الاقتصاد العراقي ويتمثل في خصخصة بعض الشركات المملوكة للدولة في البلد.

مع أهمية تبني رؤية جديدة للنظام الغذائي في العراق واتخاذ اجراءات فورية، وفي هذا السياق تشمل الإجراءات الفورية:

 تشكيل لجنة مشتركة بين الوزارات تعنى بمستقبل الغذاء في العراق.

مع إضفاء الطابع المؤسسي على تخطيط النظام الغذائي المحسن بين وزارة الزراعة ووزارات المالية والتخطيط والتجارة.

 فضلاً عن إجراء مراجعة وطنية للنظام الغذائي الحالي لتقييم ما إذا كان سيواصل مواءمته للغايات المطلوبة، على أن يسبق ذلك مناقشة رفيعة المستوى حول مستقبل الغذاء في العراق، بما في ذلك مستقبل إصلاحات دعم الأسعار والتجارة والإعانات.

وتلك التوجهات تتطلب الترويج للتجارة كأداة للنمو من خلال:

- زيادة الفرص التجارية من خلال التقليل من التكلفة المشوهة والتأخيرات وحالات الشكوك على الحدود.

- اضفاء الطابع العصري على الجمارك وتحسين البنية التحتية للحدود.

- اعتماد تقنيات ادارة المخاطر وأتمتة التجارة.

- زيادة شفافية تراخيص الاستيراد وما يرتبط بذلك من تخصيص للصرف الأجنبي للواردات.

- التقليل من الهشاشة الداخلية والخارجية والصراعات والعنف من اجل دعم تنويع الصادرات غير النفطية

وفي مثل هذا السياق، من الضروري أن تشرع التجارة العراق في أجندة إصلاح اقتصادي شاملة تتطلع نحو المستقبل من اجل تمكين القطاع الخاص نحو قيادة النمو وخلق التنوع وفرص العمل. ويمكن أن يستند مثل هذا البرنامج الى دعامتين-

الأولى: معالجة المعوقات الشاملة التي تعترض التنويع الذي يقوده القطاع الخاص من خلال الاستدامة المالية والحوكمة الاقتصادية، وإصلاحات القطاع المالي، وإصلاحات بيئة الأعمال، وتحسين محصلات رأس المال البشري، فضلاً عن إصلاحات الحماية الاجتماعية ونظام العمل،

الثانية: تحسين الحوكمة وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في قطاعات إنتاجية مختارة مثل الزراعة والصناعات الغذائية والكهرباء والغاز.

حيث يتوقع أن يتعافى الاقتصاد العراقي تدريجياً على خلفية ارتفاع أسعار النفط وارتفاع حصص إنتاج مجموعة (أوبك+)، مع توقع النمو في الناتج المحلي الإجمالي تدريجياً بنسبة 91 بالمائة في 2021 و36 بالمائة في المتوسط في عامي 2022-2023 ومن المتوقع أن يؤدي الارتفاع في عائدات النفط جنباً إلى جنب مع التأثير الناتج عن خفض قيمة العملة إلى تقليص العجز في المالية العامة إلى 45بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021.

وفي المرحلة القادمة، سوف يكون من الضروري للتجارة الاستمرار في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتخفيض الدين العام. ومع انحسار التأثير المباشر من الأزمة، سيكون من الضروري كذلك التركيز على الإصلاحات الهيكلية لتشجيع النمو بقيادة القطاع الخاص، مثل سياسات زيادة الإيرادات لتمويل السلع العامة الحيوية بما فيها الصحة والتعليم وشبكات الأمان الاجتماعي، وتعزيز الحوكمة والشفافية، ومواصلة تطوير الأسواق المالية.

وتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وضمان تكافؤ الفرص أمام جميع الشركات، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة اندماج العراق في التجارة العالمية بتخفيض الحواجز التجارية وضمان إمكانية التنبؤ بالإجراءات الكمركية ستكون جميعها عوامل حيوية لإطلاق إمكانات النمو الهائلة الكامنة في العراق، والحد من الفقر وتحسين الاحتواء للجميع مع تقرير إجراءات السياسات المحددة لدعم هذه الأهداف وتنفيذها.

ولتحسين هيكل التجارة الخارجية في العراق من المهم زيادة القيمة المضافة للمنتج المحلي وفقاً لاستراتيجية تعظيم الصادرات، وأن زيادة نسبة الصادرات تامة الصنع ونصف المصنعة يشكل دعماً لقيمة الصادرات الوطنية.

تعزيز الجهود لزيادة الصادرات ومساندة القطاعات الإنتاجية وإنشاء المجمعات الصناعية، أبرزها إزالة كافة المعوقات والتحديات التي تواجه الصادرات العراقي من خلال اتمتة كافة الإجراءات الخاصة بالاستيراد والتصدير والاخراج الكمركي.

تكمن أهم الأسباب الرئيسة للضعف التجاري، في ارتفاع معدلات البطالة بسبب انخفاض معدلات النمو.

ومنها قطاع التجارة باعتبار أن النظام المالي هو الذي يغذي حركة التجارة الدولية بالأموال ويشكل الشرايين التي يتدفق منها التمويل لأنشطته.

وينبغي تحديد تجارة العراق، في اربعة تحديات اساسية تواجه القطاع التجاري والخدمي في ظل استمرار أزمة جائحة كورونا، وتتمثل بنقص السيولة وقرارات تفعيل القطاعات الاقتصادية المتوقفة والتي كان لها دور كبير في الناتج المحلي وامتصاص البطالة وتباطؤ الاجراءات وانعكاسها سلبا على تسهيل النقل والتجارة، الى جانب قضايا تشريعية.

والتأكيد على أهمية العودة للحياة الطبيعية وفتح القطاعات التجارية والخدمية واتخاذ تدابير السلامة اللازمة وحسب البروتوكولات الصحية المناسبة لكل قطاع، والغاء الحظر بمختلف اشكاله، وتقديم قروض ميسرة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة وتوسيع قاعدة المستفيدين لتشمل عموم المحافظات وتأجيل فترات السداد.

مع ضرورة تأجيل الاقساط المستحقة على القروض الممنوحة من البنوك التجارية للأفراد والمنشآت المتوسطة والصغيرة، دون احتساب الفوائد، وتأجيل استيفاء ضريبة الدخل من المكلفين الى ما بعد انقضاء الجائحة، وضريبة المبيعات واستيفائها عند البيع، مع ضرورة تأجيل استيفاء اشتراكات الضمان الاجتماعي للشركات او تقسيطها دون فوائد، واعفاء او تأجيل او تقسيط الضريبة المستحقة على الشركات، وتخفيض او تقسيط الفواتير التشغيلية الخاصة بالشركات الصغيرة والمتوسطة مثل الكهرباء.

والتركيز على نشر الوعي الصحي بأهمية ارتداء الكمامة والتباعد الاجتماعي بجميع الوسائل المتاحة المرئية والمقروءة والمسموعة وتأكيد وجود معايير واضحة ومرجعية واحدة للرقابة واتخاذ الاجراءات المناسبة بحق المخالفين.

واكدت أهمية تكثيف الجهود لتعزيز العلاقة التشاركية بين القطاعين الخاص والعام من خلال نهج جديد لتحقيق التعافي الاقتصادي واشراك الغرف التجارية بجميع اللجان المخولة باتخاذ قرارات تخص القطاع التجاري والخدمي.

والمطالبة بتعويض المنشآت العاملة في القطاعات المتضررة من توالي الازمات الاقتصادية والصحية والتشديد على ضرورة فتح التبادل التجاري بين العراق ومختلف البلدان على اساس التكافؤ والمصالح المتبادلة، وتوحيد الرسوم الكمركية والضريبية للسلع والخدمات التي يتم استيرادها من قبل الدولة والتجار.

والتأكيد على ضرورة تكاتف الجميع لتحقيق التعافي وتجاوز الصعوبات.