في عدد يوم الاثنين الموافق 26 /7 /2021 وعلى صفحة 12 نشرت “طريق الشعب” مادتين: الأولى بقلم عصام الياسري وكانت بعنوان (الاستياء العام والظلم والتمييز الطبقي سبب الاطاحة بالنظام الملكي) والثانية بقلم خليل ابراهيم العبيدي وكانت بعنوان (ثورة 14 تموز وجدلية الصراع مع الإقطاع). الموضوعان هامان وخاضعان لشتى الاجتهادات، فهما تناولا ثورة الرابع عشر من تموز 1958 وسقوط النظام الملكي ثم انتصار الرجعية في انقلاب الثامن من شباط 1963 والاجهاز على قيادة الثورة ومنجزاتها. ولم يقف الموضوعان عند حد ثورة الرابع عشر من تموز – انتصاراتها، منجزاتها، الاجهاز على حكومتها ومنجزاتها، بل تمت تغطية أحداث تبعتها وحتى اللحظة الحاضرة. وينبغي التثمين لمبادرة الكتابة عن امجاد شعبنا وتناول تاريخه، وهو تاريخ مجيد.

لكن بعض الملاحظات التي تولدت لدي من خلال قراءتي للموضوعين:

  • الموضوع الأول:

انا وبالمطلق مع ما ورد في العنوان من ان (الاستياء العام والظلم والتمييز الطبقي سبب الإطاحة بالنظام الملكي). فعلينا ان نتذكر ما اكده ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي من (إن تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا لم يكن سوى تاريخ صراع بين الطبقات، فالحر والعبد، والنبيل والعامي، والسيد والاقطاعي والقن، والمعلم والصائغ، أي بالاختصار المضطهدون والمضطهدون، كانوا في تعارض دائم وكانت بينهم حرب مستمرة تارة ظاهرة وتارة مستترة، حرب كانت تنتهي دائما إما بانقلاب ثوري يشمل المجتمع باسره وإما بانهيار الطبقتين المتصارعتين معاً).

اما لينين فقد تحدث كثيرا عن الثورة مركزا على أهمية توفر الوضع الثوري ونضوج العاملين الموضوعي والذاتي، وقد أكد لأكثر من مرة أن الثورة لكي تقوم وتنتصر ينبغي أن تتوافر القناعة لدى أبعد الناس عن الحزب والسياسة بأن النظام القائم لم يعد محتملا بقاؤه وينبغي أن يزول. وهذا ما شاهدناه منذ الصباح الباكر للرابع عشر من تموز حيث نزل الجمهور إلى الشارع كالسيل الهادر وهو يهتف (هذا اليوم الجنه انريده).

 كنت بينهم ذلك الصباح المجيد وشاهدت بعيني كيف اسقطوا تمثال الملك فيصل الأول في الصالحية ثم انتقلوا لإسقاط تمثال الجنرال مود من أمام السفارة البريطانية ورأيت كيف أغلقوا الشارع المؤدي إلى باب  السفارة التي تطل على نهر دجلة وذلك لمنع أي من زعماء النظام من الالتجاء إلى دار السفارة ولم يفتحوه وينسحبوا إلا بعد وصول العقيد الشهيد وصفي طاهر ومعه ست دبابات من أجل الإحاطة ببناية السفارة، بعد أن لم يتمكن من اعتقال رئيس وزراء النظام المقبور نوري السعيد، وهكذا نرى أن الجمهور عندما نزل إلى الشارع لم يكن لغرض الاحتفال بالثورة وانما للمساعدة في حسم الموقف باعتباره جزءا من قوى الثورة. وهنا أنصح بالعودة إلى التعليمات التي أصدرتها قيادة الحزب الشيوعي العراقي إلى منظمات الحزب وهي مثبتة بالنص في مؤلف الرفيق العزيز كريم احمد الداود المعنون – المسيرة- الصفحة 120. لقد جاءت تلك التعليمات بعد أن علمت قيادة الحزب بموعد الثورة من خلال حلقة الوصل بين قيادة الحزب والزعيم عبد الكريم قاسم الاستاذ رشيد مطلق.

لقد شاءت الصدفة التاريخية أن تكون الوحدة العسكرية التي دخلت بغداد وفجرت الثورة هي اللواء العشرين وان يكون قائد الثورة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم. اذ أن معلوماتي وانا كنت أؤدي خلال عامي 1957 - 1958 خدمة الضباط الاحتياط في معسكر الديوانية وعلى تواصل مع منظمة الضباط الاحرار التي اختارت الزعيم عبد الكريم قاسم رئيسا لها لدى توحيد منظمات الضباط الاحرار عام 1957 انها اوعزت إلى كافة تشكيلاتها في المعسكرات العراقية على ضوء العزلة التي يعيشها النظام المباد مخولة جميعها صلاحية توجيه الضربة إلى زعامة النظام من قبل أية وحدة تحصل لها الفرصة لذلك والدعم سيأتيها فوراً.

وبالنسبة للحزب الشيوعي العراقي فان دعم الثورة جماهيريا حال انطلاقتها ليس المطلب الوحيد الذي قدمه الزعيم إلى قيادة الحزب فقد كان مطلبا آخر ذا أهمية عظيمة، إذ طلب من قيادة الحزب قبل الثورة بفترة أن تبذل جهدها مع الزعامة السوفياتية والرئيس جمال عبد الناصر من أجل ضمان تأييدهما للثورة حال قيامها.

وقد استجابت قيادة الحزب لذلك فأوفدت الرفيق الراحل عامر عبد الله إلى موسكو لطرح الأمر على الزعامة السوفياتية، ولدى عودته من موسكو التقى في دمشق مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وأبلغه بالأمر وقد حصل الدعم من الطرفين منذ صباح يوم الثورة.

أشار الكاتب عصام الياسري إلى منجزات الثورة لكنه أغفل تماما منجزاتها في الجانب الصناعي والاتفاقية الاقتصادية التي وقعها مع القادة السوفيات الوفد العراقي الذي زار موسكو برئاسة الدكتور ابراهيم كبة والتسهيلات التي قدمها لنا الزعماء السوفيات في هذا المجال حيث تمكن العراق من تشييد معملي الاسمنت والاحذية الشعبية في الكوفة، ومعمل ومزرعة للسكر في العمارة، معامل النسيج في الكوت والحلة وسدة الهندية، محطات التوليد الكهربائية في البصرة والناصرية والمسيب وبغداد، معمل سكائر الجمهورية في السليمانية، معملي السكر في نينوى وطويريج، معامل السجاد معمل الزجاج في الرمادي، معمل الادوية في سامراء… الخ.

اشار الكاتب إلى ما جره على البلد اسقاط حكومة ثورة تموز بانقلاب 8 شباط الاسود ومنها القتال في كردستان. هنا لا بد أن نبين أن القتال في كردستان العراق كان على فترات متقطعة وليس باستمرارية منذ (1969 حتى عام 1975).

إن حكومة ثورة تموز التي أكدت في الدستور المؤقت أن العرب والاكراد شركاء في هذا الوطن سمحت لنفسها أن تشن حربا على كردستان عام 1961 استغلتها القوى المعادية للثورة لخدمة مخططاتها وتآمرها على الثورة إذ استفادت من وجود ضباط في الحركات العسكرية في وزارة الدفاع يؤيدون الانقلابيين وكانوا جزءا من الثورة المضادة، لتفريغ العاصمة بغداد من القطعات الموالية للثورة بإرسالها إلى كردستان.

الحزب أدرك منذ البداية مدى المخاطر التي تجرها على البلد تلك الحرب فوقف ضدها وأنزل التظاهرات في شارع الرشيد وغيره وهي تردد الاهزوجة (يا شعب طفي النيران – السلم في كردستان).

وخصصت اللجنة المركزية اجتماعها اوائل عام 1962 للقضية الكردية واقرت تقريرا علمت في حينه أنه من اعداد الرفيق الشهيد جمال الجيدري، وخلص التقرير إلى أن الحل الملائم للقضية الكردية الاعتراف للشعب الكردي بحقه في تقرير المصير، وكحل ديمقراطي آني للمشكلة منح الشعب الكردي حق الحكم الذاتي. ولم يتوقف ذلك القتال إلا اواخر عام 1962 بحيث لم يعد له أي تأثير فالعد العكسي لسقوط ثورة تموز قد بدأ ولا رادا له. وقد تجدد القتال في الشهر السادس من عام 1963 اذ قررت حكومة البعث مهاجمة كردستان العراق مجدداً بعد أن رفض الملا مصطفى مطالبهم، والتي كان أحدها تسليم الشيوعيين إلى حكومة بغداد سواء كانوا من سكان كردستان أو من الذين التجأوا إلى كردستان بعد انقلاب شباط سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، واستمر القتال حتى وقعت الهدنة من قبل حكومة عبد الرحمن البزاز عام 1965. عام 1969 وفي حينها كنا نلح عليهم – على حكومة البعث - لمعالجة القضية الكردية واعطاء الشعب الكردي حقه في الحكم الذاتي ضمن الجمهورية العراقية وبعد مماطلات عديدة واتذكر أنهم قالوا لرفاقنا في أحد اللقاءات التي تمت معهم انهم (باستطاعتهم حل القضية الكردية خلال اسبوع) وعندما سألهم رفاقنا عن الحل قالوا (نعمل اتفاقا مع شاه إيران نتنازل له عن النصف من شط العرب فينتهي كل شيء). وهكذا نرى ان اتفاقية الجزائر عام 1975 بين صدام والشاه ليست بنت يومها بل هي نتيجة تفكير مسبق، أقول عام 1969 حاولوا أن يجربوا حظهم في اللجوء إلى الحرب لمعالجة القضية الكردية فأرسلوا دباباتهم إلى كردستان. البيشمركة الكرد لم يتصدوا لها منذ البداية بل سمحوا لها ان تتوغل في الجبال والوديان ثم هاجموها من جميع الجهات والحقوا بها أكبر هزيمة، فجاءوا الينا يطلبون من قيادة الحزب التوسط لدى الملا لإيقاف القتال، وتوقف القتال فعلا. وسادت فترة من الهدوء استمرت حتى 11 اذار 1970 حيث تم التوقيع على اتفاقية 11 اذار التي تمنح الشعب الكردي حق الحكم الذاتي. أنا أعرف التفاصيل عن الظرف الذي جعلهم يكلفون صدام حسين للتوجه على عجل إلى كردستان وتوقيع الاتفاق مع الملا ولست بحاجة للتطرق لها هنا.

وقد تجدد القتال أواخر عام 1973 واستمر حتى توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 اذ انهارت الجبهة الكردية وجرى ما جرى مع الاخوة الكرد الذين نقلوا إلى الوسط وقد بذل الحزب جهده من أجل انهاء تلك الحالة المحزنة، واتذكر جيدا تفاصيل اللقاء الذي تم بين الرفيق عزيز محمد والمقبور صدام حسين بهذا الخصوص والتوصل معه إلى قرار بإعادتهم إلى ديارهم في كردستان. في تلك الفترة إلى جانب جهدنا من أجل الحيلولة دون انجرار الطرفين إلى القتال، ومن أجل ايقافه بعد ان بدأ، قرر الحزب ان نكون على الحياد في ذلك القتال وأن لا نرفع السلاح في أي مكان في كردستان إلا في حالة الدفاع عن النفس.

ولكن هل انتهت محاولات حل القضية الكردية حلا عسكريا؟ كلا أبدا فمباشرة مع توقف القتال بين العراق وإيران في 8 /8 /1988 فتحت السلطات صفحة القتال في كردستان ومعلوم ما جرته على الاخوة الكرد ما سمي (بالأنفال) انفال واحد، انفال،2، انفال 3، وصحاري الشنافية في قضاء الحمزة الشرقي أكبر شاهد على دفن الكرد نساء ورجالا واطفالا وهم أحياء في مقابر جماعية. ولم يتخلص الكرد من سلطة المقبور صدام حسين وحروبه الكارثية إلا في أوائل آذار/ 1991 وفرضوا بأنفسهم وبقوة السلاح حل قضيتهم وفقا لمبدأ الفدرالية وإقامة الإقليم.

وقبل ان انتقل إلى الموضوع الثاني اشير إلى وجود ما ينبغي تصحيحه وكما يلي:

  1. في العمود الثاني ورد عن آخر إحصاء سكاني اجراه النظام الملكي انه تم عام 1956 في الحقيقة الاحصاء تم عام 1957 وليس عام 1956.
  2. بخصوص قانون حقوق المرأة المرقم 188 والصادر عام 1959 ورد ان عنوان القانون كان (قانون الاحوال المدنية) في حين كان الاسم هو (قانون الاحوال الشخصية).
  • الموضوع الثاني:

الانكليز دخلوا العراق عام 1914 وعندما دخلوا بغداد عام 1917 أعلنوا انهم جاءوا محررين لا فاتحين أما في حقيقة الأمر فهم جاءوا مستعمرين، محتلين وأقاموا حكما عسكريا مباشرا إلا أن ثورة العشرين التي قاد ثوارها رجال الدين وشيوخ العشائر فرضت عليهم أن يغيروا أسلوبهم ويسلموا للعراقيين سيادتهم الوطنية واستقلالهم السياسي وان كانا منقوصين وسلموا مقاليد السلطة إلى الملك فيصل الأول الذي بايعه شيوخ العشائر ليكون ملكا على العراق منذ عام 1921.

النظام الملكي وكما ورد اخذ يبحث عن قاعدة اجتماعية اقتصادية للنظام فوجد ضالته لدى شيوخ العشائر الذين حولتهم قوانين التسوية التي أصدرها النظام في الفترة 1932 - 1934 إلى مالكين للأرض وفقا لمبدأ (التفويض بالطابو) او (الممنوحة باللزمة) واستمرت الحالة حتى ثورة الرابع عشر من تموز حيث كان أول اجراء لحكومة الثورة هو الغاء قانون دعاوى العشائر، الذي نقل صلاحيات القضاء إلى شيوخ العشائر ومن ثم اصدر قانون الاصلاح الزراعي رقم 30 للعام 1958 الذي استرجع من رجال الاقطاع حوال العشرين مليون دونم ليتم التعاقد عليها مع الفلاحين مباشرة. هذه كانت ضربة شديدة لرجال الاقطاع لكن القانون اعطاهم امتيازات مهمة وهكذا نرى، وباستثناء تمرد رشيد لولان في كردستان فإن رجال الاقطاع قد خضعوا للأمر الواقع، وعليه أجدني لا اتفق مع ما طرح من انهم قادوا المعارضة للنظام والعمل على اسقاطه، إذ أن من تصدى لقيادة التآمر على ثورة تموز هم العديد من كبار الضباط والعديد من الاطراف السياسية التي كانت تشكل التجمع القومي التي نجحت في اسقاط حكومة ثورة تموز، مستفيدة من خبرات الاستخبارات البريطانية والدعم المباشر المادي والمعنوي من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. إن مؤلفات الدكتور عقيل الناصري غنية بالمعلومات عن هذا الأمر. هذه أحداث عشناها ونعرف تفاصيلها. ومن المفيد أن أذكر هنا بما قاله علي صالح السعدي وهو كان عام 1963 امين سر القيادة القطرية لحزب البعث العراقي امام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر عام 1972 من ان البعث جاء إلى السلطة مرتين: مرة بقطار بريطاني ومرة بقطار امريكي.

عرض مقالات: