أسعى في السطور التالية الى تسجيل ملاحظات سياسية أولية بشأن نتائج الانتخابات التي جرت في العاشر من الشهر الحالي، تاركا الجوانب الفنية لأهل الاختصاص. لقد سميت الانتخابات رسميا بـ “الانتخابات المبكرة”، على الرغم من ان هذه التسمية فقدت معناها جراء التسويف والتأجيل المتكرر، في محاولة من الحكومة والقوى المتنفذة لترتيب أوراقها.

أشارت بعض التقييمات الموضوعية الى تميز هذه الانتخابات عن سابقتها، من حيث الإجراءات التنفيذية والأمنية، ومحدودية الخروقات الانتخابية التي شابت جميع الانتخابات التي عشناها منذ العام 2005، وهو أمر حرصت الحكومة على تحقيقه لكي تضيفه إلى قائمة “منجزاتها الفقيرة”، فضلا عن التقنية الحديثة التي منعت تنفيذ عمليات تزوير سريعة وخاطفة، وحرمت المزورين من تمديد وقت التصويت. ولكن هذا لا يعني غياب تأثير قوي للمال السياسي، والمخلفات الأخرى وهو ما تحدثت عنه منظمات المراقبة العالمية ووسائل الإعلام.

وارتباطا بالمخاوف من حدوث مقاطعة غير مسبوقة، كثرت وتعددت أشكال وأساليب دعوة الناخبين للمشاركة، واشتركت في هذه الدعوات قوى مختلفة، بضمنها مؤسسات حرصت على حيادها في السابق. بالإضافة إلى المراقبة الدولية التي كانت حاضرة كعامل طمأنة للناخب العراقي، والأموال التي انفقتها الحكومة بسخاء، لم تمارسه في توفير خدمات ضرورية للمواطن العراقي.

ان كل ما أشرنا اليه لم يحقق أهدافه المرجوة، فكانت نسبة المقاطعة الفعلية أكثر من 60 في المائة، من مجموع من يحق لهم التصويت وتصبح النسبة أكثر بكثير، إذا ما حسبت سياسيا، وفق حالة الرفض السائدة في الشارع للنظام السائد، والذي لا زال يدور في حدود الفشل.

وجاءت النتائج لتؤكد صحة موقف المقاطعين، الذين انسجموا مع حالة الرفض الشعبي، الذي يعكس مرارات الملايين خلال 18 عاما هي عمر نظام المحاصصة والفساد. والمؤشرات المتوفرة حتى هذه اللحظة، تشير إلى أن النتائج ستعيد انتاج منظومة الحكم السابقة، رغم الحراك الذي عكسه حصول بعض قوائم المنتفضين على نتائج لافتة، حملت معها وجوها يسارية وديمقراطية إلى البرلمان الجديد. ويجب ان لا ننسى المخاطر التي يشكلها غضب الخاسرين، والذين يلوحون باستخدام أساليبهم الخاصة، على الرغم من أن إمكانات نجاح هذه المحاولات محدود، ارتباطا بالتوازنات الإقليمية الجديدة، وعدم الرغبة في خلق نزاعات وبؤر توتر، تتعارض مع فكرة إنجاح المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني.

إن هذا الحراك المتحقق لا ينفصل مطلقا عن تأثيرات انتفاضة تشرين 2019 البطلة. وهنا لابد من الإشارة إلى أن فعل المقاطعة كان واضحا، ضمن أمور أخرى، في تحديد، مساحات حركة القوى المتطرفة، في استخدام أساليبها السابقة على نطاق واسع، بمعنى آخر لا يمكن فهم الحراك السياسي، بالنسبة لقوى التغيير، بعيدا عن فعل المقاطعة، الذي مثل انتقاله سياسية نوعية ومنظمة للتعامل مع النظام السائد.

إن الحديث عن صحة حملة المقاطعة وتأثيرها، لا يتقاطع مع خيار قوى معسكر التغيير التي اختارت المشاركة في الانتخابات، ولهذا فإن السعي لتقسيم قوى التغيير إلى مقاطع ومشارك ضار جدا، ويخدم الكتل المتنفذة في تجاوز حالة الانحسار الجماهيري الذي تعيشه. ومن جانب آخر فإن النظرة القصيرة والسطحية لبعض المدنيين الذين شاركوا في الانتخابات، ولم يحققوا نتائج مرضية، في القاء المسؤولية على قوى المقاطعة، والتسرع في كيل الاتهامات للآخرين، عمل يجب الابتعاد عنه، والتحلي بالموضوعية ودراسة أسباب عدم تحقيق النجاح، والتي تتلخص في رأيي المتواضع، في أن مرشحي تشرين الذين  فازوا بمقاعد انتخابية، حققوا ذلك بأصوات جمهور الانتفاضة، وبأساليب وأدوات وخطاب يختلف كليا عن الأساليب التقليدية التي دأبت عليها القوى المدنية في الجولات الانتخابية السابقة، بالإضافة إلى مخاوف اللحظات الأخيرة التي دفعت قسما من جمهور المنتفضين للتصويت إلى زملائهم المشاركين، ردا على تهديدات وإشارات كانت تحمل في ثناياها مخاطر جدية.

ومن الضروري ان تحظى هذه الحقيقة بالدراسة من قبل قوى معسكر التغيير، في إطار مراجعة تفصيلية واسعة وشفافة لتجربتها السابقة، لأن الدرس الهام الذي أفرزته الانتخابات هو ان الناخب العراقي الساعي للتغيير مختلف اليوم كليا، ولم تنجح الأساليب النخبوية، والآليات والذهنيات التقليدية في الحصول على صوته، وإن على من يسعى لكسب صوت هذ الناخب أن يجدد من أساليبه وخطابه وسياساته، على أساس قراءة فكرية، بعيدة عن التشبث بالماضي والعزلة عن الناس، وبالتالي البحث عن تبريرات واهية والقاء اللوم على الآخرين.

والأكثر ضررا ستكون محاولة بعض العقول المحافظة العودة إلى سياسات ما قبل الانتفاضة، وتبتعد عما تحقق، وهو كثير على طريق توفير مقدمات التغيير عبر علاقة حية ومتفاعلة مع الناس وتبني همومهم، بروح نضالية واعية وبعيدة عن “الجملة الثورية الفضفاضة”.

إن ما حدث يفتح آفاقا جديدة لقوى التغيير، شريطة قدرتها على الوصول إلى خطاب يؤكد على المشتركات ولا يلغي التنوع وعلى أساس من التساوي في التعامل مع بعضها البعض، فالانتخابات أكدت خسارة المتنفذين لقواهم التصويتية السابقة، بنسبة تراوحت بين 50 – 80 في المائة، أي أن هذه القوى فقدت شرعيتها الجماهيرية، رغم تصدر بعض كتلها المشهد الانتخابي، لامتلاك بعضها مساحة تكتيكية واسعة، وفرها قانون الانتخابات المعتمد، فيما استفادت كتل أخرى من الاستقطاب والشخصنة، داخل الإسلام السياسي “الشيعي”. اما نتائج الانتخابات في إقليم كردستان، فقد جاءت لأسباب معروفة، جوهرها الصراعات التي عصفت ببعضها، وفشل المشاريع البديلة التي مثلتها “حركة التغيير” في السنوات الأولى لانطلاقتها، ولكن الملفت هو حصول حزب “الجيل الجديد” على 8 مقاعد، الذي أشر توق الناخب الكردستاني للتغيير، على الرغم من عناصر القوة التي تتمتع بها الأحزاب الحاكمة. وهذا يطرح على القوى اليسارية والتقدمية هناك، مهمة عدم ترك الشارع الكردستاني للقوى الليبرالية التابعة لمشاريع الغرب، والعودة الأساسية الى فعل مؤثر في الشارع السياسي عبر تجميع قواها على أساس رؤية نقدية جريئة ومتجددة.

اما قوى ما يسمى بالبيت “السني”، فلا تزال تبحث عن موقع تأثير حقيقي في القرار السياسي في العراق، وسط انقسامها وصراعاتها، وهو أمر يلقي على قوى التغيير في المحافظات الغربية الخروج من عزلتها، ودخول حلبة المنافسة والصراع مع هذه القوى المحافظة والتقليدية.

عرض مقالات: