رأيت أمينة رشيد للمرة الأولى فى النصف الأول من الثمانينيات، أثناء مشاركتها الدؤوبة والنشطة فى لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، وهى لجنة جبهوية تم تشكيلها لمقاومة كل أشكال التطبيع الثقافى مع إسرائيل، وكانت تتخذ من حزب التجمع مقرا لها . وبسبب بساطتها الآسرة وانفتاحها التلقائى وإقبالها العفوى على الآخرين، أصبحنا منذ اللقاء الأول صديقتين، نتبادل معا الحكايات والأسرار والكتب، ونشترك معا فى المظاهرة ضد أول وآخر دعوة، لمشاركة إسرائيل فى معرض الكتاب الدولى بأرض الجزيرة . كانت أمينة قد عادت قبل فترة وجيزة إلى مصر، بعد أن غادرتها فى الستينات إلى فرنسا للدارسة ونيل شهادة الدكتوراه ثم العمل، بعد أن قررت أن تغلق هذه الصفحة من حياتها، برغم ما حققته فيها من مكانة أكاديمية ونجاح وظيفى وعلمى فى الأوساط الثقافية الفرنسية. عادت إلى مصر لتسكن شقة متواضعة فى حى الوراق، قبل أن تنتقل إلى شقة مدينة المبعوثين بالجامعة، لتعمل فى قسم الأدب الفرنسى فى جامعة القاهرة، استاذة للادب المقارن، الذى برعت فى دراسته وتدريسه والكتابة النقدية عنه. وكانت جسارتها وصدقها مع نفسها وراء اتمام تلك الخطوة التى اضطرتها إلى أصعب اختيارات حياتها: ترك ابنها مروان راشد طفلا صغيرا لاستكمال دراسته فى فرنسا، هذا فضلا عن التفاوت المادى الشاسع، ليس فقط فى الأجور بين عملها فى باريس والقاهرة، بل كذلك فى الحريات الأكاديمية المتاحة .

لم يكن الاستقرار والعمل فى باريس هو الغربة الأولى فى حياة أمينة رشيد. عاشت غربة أخرى فى طفولتها وصباها فى الوسط الارستقراطى الذى نشأت فيه، داخل بيت يحفل بالثراء وينعم بالفخامة، لا يتحدث فيه سكانه مع بعضهم البعض سوى باللغة الفرنسية، ولاتسمع فيه اللغة العربية، إلا عند الحديث مع الخدم، مما عزلها عن مجتمعها الذى يتحدث كل أفراده اللغة العربية. لم تكن سعيدة بتلك القطيعة مع مجتمع يشقى أبناؤه من الفقر والجهل والمرض، بينما تنعم هى ومحيطها الأسرى برغد العيش. وتشكلت فى تكوينها غربة أخرى، تمثلت فى عدم قدرتها على تحقيق التوازن النفسى والسلام الداخلى، فى محيط يزخر بالشقاء. وكانت حالة الاغتراب عن الوسط العائلى الذى عاشت وتربت فيه، وأرق ضميرها الحى، قد ولدت لديها شعورا دائما بالارتباك والعزلة والتعاسة، واحساسا ظل ملازما لها بالذنب،لانتمائها لتلك الطبقة التى تعكس التمايز بين مصرين، “مصر العشة” و”مصر القصر”، وربما أورثها ذلك قدرا من عدم الثقة فى النفس. أدركت أمينة رشيد، وهى تلميذة فى المرحلة قبل الجامعية ،أنها لكى تكون نفسها، فعليها أن تسقط الحدود المفروضة عليها، التى تفصل بينها وبين الناس، وأن تبحث عن طريق يجلب لهم العدل الاجتماعى وينصف حياتهم، فاختارت بوعى سياسى وإنسانى وإرادة من فولاذ تتحدى واقعا عائليا راسخا، أن تكون اشتراكية، وان تعتنق الفكر الماركسى، الذى يقود إلى تحقيقها، فانخرطت فى حركة اليسار المصرى. وكان وعيها الوطنى قد تشكل فى نفس الفترة، حين قذفتها زميلة لها فى المدرسة بالحجارة، اعتراضا على توقيع جدها لامها، رئيس الحكومة إسماعيل باشا صدقى، على اتفاقية صدقى – بيفن ،التى رفضتها الحركة الوطنية، وتظاهر المصريون ضدها طلبا للاستقلال وانهاء الاحتلال البريطانى. والمدهش أنها برجاحة عقلها ورحابة صدرها، لم تغضب من زميلتها، بل قالت، إنها المرة الأولى، التى يكون فيها المعتدي على حق !

حقق لها الزواج من زميلها الأكاديمى البارز والناقد المرموق الذى أحبته وهام بها، سيد البحراوى، سليل الأسرة الريفية الفقيرة، قدرا كبيرا من الأمان والتصالح مع النفس واستعادة الثقة بها. لكنها، وهى تمضى فى رحلتها المهنية والحياتية الفريدة، قست على نفسها كثيرا، وعاندت طبيعتها بمواقف مثالية، أجبرتها على القبول بخيارات شاقة لم تكن تعهدها من قبل، وهو مارسخ بداخلها مسحة من حزن عميق، ظلت تلازمها حتى الرمق الأخير .

شيدت أمينة رشيد عالمها بالوعى الخاص بها، وعززته بالثقافة العيمقة والمعارف المتنوعة، والقدرة على التفكير النقدى المحمل بثقة فى العقل وبوعى جمالى مرهف وحساس، وبرؤية فلسفية للحياة، تنبذ المصالح الضيقة والصراعات الصغيرة، وتنقب بدأب عن كل ما هو خيًر فى البشر، وما يخدم مصالح عامة. رؤية تنطوى على حنين آسر للعدالة والإنصاف، وترنو للجمال فى أشمل صوره، الإنسانية والسياسية والاجتماعية والادبية والفنية والأخلاقية. وحين غابت عنها وعنا تلك الصور من الجمال هيمن النسيان على ذاكرتها، واغمضت عينيها،لاتريد أن تسمع أو ترى أو تعرف ، ورحلت كما عاشت بهدوء

مع السلامة يانور عينى وإلى اللقاء يا حبيبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* رحلت المناضلة والكاتبة اليسارية المصرية أمينة رشيد يوم 4 ايلول 2021.

** رئيسة مجلس ادارة صحيفة «الأهالي» المصرية.

«الأهالي» – 8 أيلول 2021.

عرض مقالات: