في اليوم الدولي للديمقراطية، الذي يصادف 15 أيلول، اعد فريق مركز المعلومة للبحث والتطوير ورقة حملت عنوان (الديمقراطية في السياق العراقي)، من اعداد الكرار حسن، وحارث الهيتي، وسعت الورقة الى القاء أضواء على اهم عوائق بناء الديمقراطية ومخاطر غيابها، وافاق نجاحها.

وتطرقت الورقة الى مفهوم الديمقراطية، وتعريفاتها المختلفة، وعلاقاتها بالانتخابات، مشيرا الى انه يُنظر الى الديمقراطية، في بعض التعريفات من نافذة الجانب السياسي والانتخابات فقط، وللديمقراطية أبعاد أخرى من المهم توافرها، وهي حسب فالح عبد الجبار ليست مثلاً عليا ومبادئ مجردة يتبنى تطبيقها مصلح بعينه، هي ليست أكثر من تمثلات فكرية لعلاقات متبلورة أو قيد التبلور، هي نظام علاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية مؤسساتية وثقافية. ولكي تكون هكذا فيجب أن تعمل بمستوياتٍ ثلاث حسب عبد الجبار:

أولاً: نظام علاقات بين أفراد وفئات مجتمع معين.

ثانياً: نظام علاقات بين هذا المجتمع وبين الدولة بوصفها هيئة ناظمة لاحتكار وسائل العنف المشروع والتقنين، لصيانة حياة وملكية وثقافة سائر مكونات المجتمع، وحماية المجتمع نفسه ككل من التحديات الخارجية.

ثالثاً: نظام علاقات وظيفي مؤسساتي بين مكونات هذه الدولة، التي تضطلع بوظائف متباينة (التنفيذ، التشريع، القضاء).

 وتحدثت الورقة عن السياق العراقي الديمقراطي منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921.

وبخصوص تجربة مابعد عام 2003 جاء في الورقة: “في كتابه (الموجة الثالثة .. التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين) يشير صموئيل هنتنغتون الى ان النظم التي تحولت الى الديمقراطية في الموجة الأولى كانت عبارة عن ملكيات استبدادية وارستقراطيات اقطاعية متداعية، بينما الدول التي ذهبت باتجاه التحول الديمقراطي في الموجة الثانية كانت دولاً فاشية ومستعمرات ودكتاتوريات، فيما تشكل دول الحزب الواحد والأنظمة العسكرية والدكتاتوريات الفردية  دول الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي وحسب تعريف هنتنغتون لموجة الديمقراطية باعتبارها تحولاً من النظام السلطوي الى النظام الديمقراطي فإن عملية التحوّل هذه تخضع لعوامل مختلفة، قد يكون التحوّل هذا نابعاً من داخل المجتمع ذاته كحالة الهند أو قد تكون مفروضة على المجتمع من خارجه كحالة اليابان بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية او العراق بعد العام 2003 بعد سقوط نظام صدام حسين بفعل الغزو الأمريكي للعراق”.

وتضيف الورقة انه “قد يبدو من التجربة الديمقراطية في العراق وكأنها اجتازت مرحلة الخطر أو حسب الأدبيات السياسية مرحلة التحول باعتبارها فترةً انتقالية من النظام التسلطي نحو النظام الديمقراطي، والوصول الى المرحلة الأكثر استقراراً حين يكون هنالك قبولاً بالنظام الديمقراطي الجديد من كافة الفاعلين السياسيين. وإذا افترضنا إن كل هذا  قد تحقق، فهنالك ما هو أهم، ما يضمن  نشوء بيئة قائمة على المساواة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، هذا الأمر لا يتحقق من غير الدفع بالديمقراطية للوصول بها إلى مرحلة الديمقراطية الاقتصادية التي تضمن توزيعاً عادلاً للموارد واجتماعية من شأنها أن تمنح مختلف فئات المجتمع القدر ذاته من حقوق المشاركة. فالأنظمة السياسية وإن كان يتم فيها الإيفاء ببعض عناصر النظام الديمقراطي شكلياً مثل حق الانتخاب العام بالمساواة الا انها تفتقد العناصر الجوهرية الأخرى وهي حسب رأي توماس ماير ديمقراطيةً معطوبة”.

وتشير الورقة الى انكل ما تقدم التطرق له في أعلاه من الممكن اعتباره جزء من النظام الديمقراطي، أو ديمقراطية سياسية التي نعتقد إنها غير كافية لوحدها لبناء مجتمع ديمقراطي، بل من المهم والضروري العمل على بناء الديمقراطية الاجتماعية بإطارها الواسع وعدم الاكتفاء بكونها نظاماً يتبنى نهج التحفيز الاقتصادي فقط وإنما من شأنه أن يتجه نحو الإنسان لتمكينه من الاندماج الاجتماعي والمشاركة المجتمعية والاقتصادية، فالديمقراطية الاجتماعية نظاماً من شأنه أن يعيد توزيع الثروات ويحارب الفقر. نظاماً يعمل في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية التي إن غابت تبدو الديمقراطية ناقصة. آخذين بالاعتبار إن الفقراء وقليلي الدخل لا يمكن أن يكون تفكيرهم بالديمقراطية بجانبها السياسي أكثر من تفكيرهم بقوت يومهم، مثلاً كشف استطلاع للرأي بعد ثورة يناير 2011 في مصر إن ما نسبته 19 في المائة فقط ممن شاركوا في ذلك الاستطلاع بينوا إن الرغبة في تحقيق الديمقراطية كانت سبباً رئيسياً في إسقاط مبارك، بينما أشار 65 في المائة منهم الى ان تردي الأوضاع الاقتصادية كان السبب في خروجهم.

وتختتم الورقة باستنتاجات بينها:

  • منذ عشرين عاماً والحديث يجري عن التجربة الديمقراطية في العراق، وبمراجعة خاطفة لطبيعة النظام – القائم على أساس المحاصصة الطائفية- وما أنتجه من أزمات مستمرة لعل أبرزها المتعلقة بمدى مقبولية هذا النظام، مقبوليته من قبل الفاعلين السياسيين كما تهدف الديمقراطية، فاحتجاجات 2011 في العراق تبعتها احتجاجات “المحافظات ذات الغالبية السنية” واحتجاجات 2015 وصولاً الى استفتاء الكرد على الانفصال عام 2017 و لحظة تشرين 2019 كلها بشكلٍ أو بآخر تقول بذلك.

  • إن هذا التغيير “الديمقراطي” في العراق جاء بتأثير قوى/إرادة خارجية فرضها الاحتلال الأمريكي، وليس بتأثير الداخل العراقي، أو حتى أحزابه وحركاته الجماهيرية، ولوجود كثير من دول الجوار العراقي قائمة على أساس الأنظمة السلطوية باختلاف مرجعياتها كانت تجربة الانتقال الديمقراطي محط توجس من قبل هؤلاء إن لم نقل معرقلاً لإجراء تغييرا مثل هذا.

  • نظراً لريعية الاقتصاد العراقي وما يمثله هذا الريع من ايجاد مداخيل عالية متأتية من القطاع النفطي فقط ولا دخل لباقي الفئات باستحصاله، هذا يسمح للدولة بأن تكون منعزلة او مستقلة نتيجة ارتباطها بالنفط وتسويقه الذي هو بالتالي على علاقة وثيقة بالخارج، كل هذا من شانه ان يفقد المجتمع واحدة من أبرز حقوقه وهو مساءلة المتصدين للشأن العام.

  • تتطلب عمليات الانتقال الديمقراطي ارادة حقيقية تعرف بإرادة الانتقال وهذا يتحقق عن طريق ترسيخ ثقافة المشاركة والاختلاف، و اصلاح البنى الفكرية اولاً ومأسسة المؤسسات ودمقرطتها ثانياً.