يعيد بعض المؤرخين ودارسي التراث سبب قلة الفلاسفة في الأندلس إلى بعدها عن مركز الحضارة والفلسفة العربية الإسلامية من جهة، ومن جهة أخرى إلى سيادة التيارات المحافظة وهيمنتها. ويصح هذا القول من جهة كثرة الفلاسفة في الشرق وقلتهم في الأندلس، ولكن الفلسفة عاشت في الأندلس بطرق أخرى هرباً من قمع التيارات المحافظة، ولعل أبرز ميادينها هو: الشعر والأمثال الشعبية وغير ذلك، بالإضافة إلى ظهور بعض الفلاسفة والأعمال الفكرية الجيدة.

ابن طفيل وقصة حي بن يقظان

نشأ ابن طفيل في بلدة وادي آش، ودرس الطب في غرناطة، وبرع في علم الفلك والرياضيات والشعر والفلسفة، وأصبح وزيراً في دولة الموحدين. وليس في كتب التاريخ وأقوال المؤرخين إلا القليل عن حياة الفيلسوف المعاصر لابن رشد. وترك ابن طفيل العديد من الكتب، ولكن أغلبها لا يُعرف عنه شيء، ولم يصلنا من كتبه سوى كتاب واحد، هو قصة «حي بن يقظان». ويعود سبب ذلك إلى الحرب التي تعرضت لها أفكاره على يد الظلاميين.

وردت قصة بالاسم نفسه في مؤلفات ابن سينا، كما يقارن الكثيرون بينها وبين قصة «روبنسون كروزو» التي وضعها كاتب إنكليزي في القرن الثامن عشر. وفي طبعة «حي بن يقظان» الصادرة عن دار الفارابي عام 1954، كتب خالد بكداش مقدمة للكتاب، قال فيها: إن ابن طفيل بدأ كتابه بتمهيدات تحدث فيها عن رأيه بآراء عدد من الفلاسفة، مثل: ابن باجة وابن سينا والفارابي. وتتحدث القصة الخيالية عن حي بن يقظان الذي أبصر النور في جزيرة خالية من البشر، واستطاع من خلال العمل والملاحظة والتجربة إدراك أسرار الكون والطبيعة بنفسه دون مصدر خارجي. وعندما بلغ الخمسين من العمر، التقى برجل يدعى «اسال» وذهب برفقته إلى جزيرة مجاورة، فرأى ما عليه المجتمع البشري من فساد وحاول إصلاحه بالموعظة والإرشاد فلم يفلح، وعاد إلى جزيرته برفقة اسال وقضى فيها بقية حياته.

يقول خالد بكداش: من المفهوم أن محاولة ابن طفيل عزل حي بن يقظان ووضعه في جزيرة نائية خالية، لا تغير شيئاً من الطبيعة الاجتماعية لهذه الأفكار التي وضعها ابن طفيل في رأس حي بن يقظان وعلى لسانه، فهذه الأفكار إنما هي أفكار العهد الاجتماعي الذي عاش فيه ابن طفيل. «خالد بكداش، ملاحظات وآراء في بعض قضايا الفكر والفلسفة والأدب، دمشق 1976، ص 11».

وفي هذه القصة صورة لتطور الإنسان، من إنسان بدائي خرج من حالة الوحشية حين بدأت الحياة الاجتماعية، أي حين خرج من العزلة والانفراد وبدأ يعيش مع أناس آخرين. وقبل ذلك لم يكن إنساناً بل أقرب إلى عالم الحيوان. كان ابن طفيل متأثراً بالفلسفة اليونانية التي تحوي أفكاراً مادية ومثالية «أرسطو»، واعترف الأخير بوحدة العالم، أو وحدة الكون، وتصور الروح على شكل بخار «مادة». ويبدو أن ابن طفيل لم يضع في كتابه كل ما أراد قوله بسبب عداء التيار المحافظ للفلسفة.

يضيف بكداش عن مكان أفكار ابن طفيل في التاريخ: أن الأفكار الواردة في قصة حي بن يقظان، عن الطبيعة والوجود، هي أفكار من القرن الثاني عشر، أي أنها ترجع إلى عهد تفصلنا عنه ثمانمائة عام. فعلى هذا الأساس ينبغي طبعاً بحثها وتقديرها. بل من هنا أهميتها. فهي تبين المستوى الذي بلغته الإنسانية في ذلك العهد. عظمتها هي في أنها كانت تلك الحلقة الضرورية في تطور المعرفة الإنسانية إلى المستوى الذي بلغته اليوم.

ابن رشد قاضي إشبيلية وقرطبة

كان ابن رشد معاصراً وصديقاً لابن طفيل ومتأثر بفلسفة أرسطو والفلسفة العربية الإسلامية وآراء ابن باجة، وهو فيلسوف وطبيب برع أيضاً في علم الفلك والرياضيات والفيزياء وأصبح قاضياً في إشبيلية ثم في قرطبة.

يبدو أن آراء ابن رشد الفلسفية والتنويرية قد أثارت السلطات عليه، حيث أصدر الأمير الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور سنة 1194 أمراً في إشبيلية بإحراق جميع كتب ابن رشد إلا عدداً قليلاً منها في التاريخ الطبيعي، وحرم على رعاياه دراسة الفلسفة، وحثهم على أن يلقوا في النار جميع كتبها أينما وجدت. وبادر العامة إلى تنفيذ هذه الأمور. وفي هذا الوقت بالذات أعدم ابن حبيب في قرطبة لدراسته الفلسفة. ثم جرى نفي ابن رشد إلى إحدى القرى على خلفية كيل الاتهامات السوداء بحقه. وفي القرن الرابع عشر اتهم الوزير الغرناطي لسان الدين ابن الخطيب صاحب «الإحاطة في تاريخ غرناطة» بالزندقة وقتل في السجن عام 1374.

يقول هادي العلوي: إن الفلسفة تأخرت بالظهور في الأندلس حتى القرن السادس الذي أنجب أحد أعظم فلاسفة الإسلام إلى جانب ابن سينا والشيرازي، وهو ابن رشد، وكأنه أراد أن يعوض الأندلسيين ما فاتهم بهذا الظهور البالغ القدرة، ويرجع تأخر الفلسفة هناك إلى طغيان السلفية، وهو عين السبب الذي منع علم الكلام فيها من اعتلاء مقاماته المشرقية نفسها. «هادي العلوي، محطات في التاريخ والتراث، ص 216-217».

ابن خفاجة وأبو البقاء الرندي

كان الشعر ميداناً آخر للأفكار الفلسفية، وفي حال الآراء المباشرة، كان الشعراء يتعرضون للقمع بدورهم. وفي أحوال أخرى، ورغم أهمية ما يقال في بعض القصائد، لم ينتبه أحد إلى ذلك لأنهم لم يفهموا ما قيل من فلسفة في القصيدة، أو اعتبروها مجرد أبيات شعرية، مثل: مرثية الأندلس لأبي البقاء الرندي.

يقول ابن خفاجة الذي عاش في جزيرة شقر بين شاطبة وبلنسية في إحدى قصائده عن وصف الطبيعة في بلاده، حيث كانت بلدته من أجمل بقاع الأندلس وأخصبها تربة: يا أهل الأندلس لله دركم، ماء وظل وأنهار وأشجار. ما جنة الخلد إلا في دياركم، ولو تخيرت هذا كنت أختار. وابن خفاجة هو واحد من شعراء الطبيعة، كتب الأشعار، مولعاً بجمالها، وأحال الطبيعة إلى نفوس ذات إحساس في قصائده. «حنا الفاخوري، تاريخ الأدب العربي، ص790-842-843».

أما أبو البقاء الرندي، فهو صاحب المرثية المشهورة لبلاد الأندلس، وفي بعض أبيات قصائده تعشش الأفكار الفلسفية، إذا يقول في بداية مرثية الأندلس: لكل شيء إذا ما تم نقصان، فلا يغر بطيب العيش إنسان، هي الأمور كما شاهدتها دول، من سره زمن ساءته أزمان. في البيت الأول: «لكل شيء إذا ما تم نقصان» تعبير واضح عن فكرة التناقض، وفي الأبيات اللاحقة الأخرى، يؤكد أبو البقاء الرندي بطريقته أن كل شيء يتغير.

سردنا مثالين لحياة الفلسفة في الشعر الأندلسي، ومن المؤكد أن قصائد البلاد التي عاشت حوالي ثمانية قرون تحوي المزيد من هذه الأفكار الفريدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

قاسيون - 6 أيلول 2021

عرض مقالات: