ما جري ويجري في الصين، منذ اربعة عقود ونيف (وتحديدا منذ 1978)، أثار وما زال يثير العديد من المشكلات المنهجية والفكرية الناجمة عن التحديد الدقيق والملموس لخصائص الظواهر والعمليات الجارية هناك، وتُفتح سجالات لا ينتهي أوارها، وتقدّم مقاربات مختلفة لفهم العديد من الظواهر والعمليات الاقتصادية والتحولات في البنية الاجتماعية ووجهتها في الصين، التي تستعصي على التحليل التخطيطي، تبدو وكأنها حلقة من التناقضات. انه بلد يقوده الحزب الشيوعي، ذو قطاع عام هو السائد، ولكنه ذو اقتصاد يقوم الى حد كبير على مبادئ السوق التنافسية بكل ما يترتب على هذه المبادئ من عدم تكافؤ واضطراب وتفاوت واستقطاب مجتمعي.

لذا فإن فهم الصين.. طبيعة نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي الراهن، وآفاقه المسقبلية، يشكل واحدا من أكبر التحديات النظرية والتطبيقية التي تواجه الباحثين على مختلف توجهاتهم الفكرية ومرجعياتهم النظرية في العالم اليوم. والأسباب واضحة، فالصين في الوقت الراهن، يبلغ عدد سكانها 1.4005 مليار نسمة (نهاية عام 2019)، و يعيش فيها ربع الطبقة العاملة في العالم، وحيث يجري أكبر نمو في الصادرات، وفي الناتج المحلي الإجمالي (بلغ حجم الناتج المذكور 14,140  تريليون دولار في سنة 2019 حسب تقديرات صندوق النقد الدولي)، وطاقة تصنيعية توشك على تجاوز مثيلتها في الولايات المتحدة، اضافة الى ان الصين تملك اعلى نسبة ادخار في العالم حيث بلغت مدخراتها حوالي 5 تريليون دولار امريكي (5000 مليار دولار).

وجدير بالذكر أنه في ظل تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر فى العالم خلال الفترة الأخيرة، فقد وصل حجم الاستثمار الصيني المباشر في الخارج إلى 123.12 مليار دولار أمريكي في عام 2014، بزيادة 14.2 في المائة على أساس سنوي، مسجلا رقما قياسيا جديدا، ومحتلا المرتبة الثالثة في العالم لثلاث سنوات متتالية. كما دخلت الصين و للمرة الأولى صفوف أعلى عشر دول فى العالم من حيث حجم الاستثمار المباشر المتراكم فى الخارج. هذا مع العلم ان تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الصين بالأشهر الثمانية الأولى من عام 2013 قد بلغ (278.3) مليار دولار، مسجلة انخفاضاً بنسبة 1.8 بالمئة بالمقارنة مع الفترة نفسها من عام 2012.

وشهدت الصين متوسط نمو سنوي بنسبة 9.9% منذ سنة 2000. لكن تباطأ النمو تدريجيا في السنوات الاخيرة من 10.4 في المائة في 2010 الى 7.7 في المائة في 2013، إلى 7.7 في المائة في 2016  . وبالمقابل فقد تراجع الاقتصاد الصيني في الربع الأول من عام 2019، حيث سجلت صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، نموا لا يتعدى 6,3 في المائة في الفترة من يناير/كانون الثاني حتى آذار 2019 (عام ظهور جائحة كورونا)، وذلك حسب ما أظهر استطلاع أجرته وكالة فرانس برس لدى عدد من المحللين. وهو أبطأ معدل للنمو منذ عام 1990، ما أذكى مخاوف بأن ركود الطلب في ثاني أكبر اقتصاد في العالم قد يطيل أمد الضعف في الاقتصاد العالمي.

لقد شكل تحول الصين وصعودها الاقتصادي ظاهرة محورية خلال العقود الاربعة الأخيرة.  ومن المؤكد أن “الظاهرة الصينية” ليست بظاهرة عادية لأن حجمها وأبعادها وانعكاساتها، تمثل تحدياً كبيراً للاقتصاد العالمي، وفي المقدمة منه المراكز الاقتصادية الرأسمالية الثلاثة: الولايات المتحدة واليابان وأوروبا التي تعد اكبر الاقتصادات في العالم. وتواجه الولايات المتحدة بوصفها شريك الصين الأول، صعود الصين الصناعي والتجاري باعتباره تحدياً ليس اقتصاديا صرفا بل استراتيجياً للولايات المتحدة وهيمنتها على نظام العولمة الرأسمالي الجديد، ذلك لأن الزخم الفائق الذي يتصف به نموها الاقتصادي وتطورها الصناعي، وتجددها التكنولوجي يمكن أن يؤدي إلى تحول القوة الأولى من حيث عدد السكان إلى قوة عظمى اقتصادية، تتحدى الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي في الأفق الزمني المنظور.

في مواجهة التحديات التنموية والسياسية أعلنت الصين تبنيها “اقتصاد السوق الاشتراكي” وكان هذا، بحسب العديد من الباحثين، “اجتهاداً فكرياً” وتطبيقاً عملياً للربط بين الاشتراكية والسوق لا سابق له باستثناء ما طرحته المدرسة البولونية في ستينات القرن العشرين بزعامة المفكر الاقتصادي المعروف الراحل أوسكار لانكَه (Oscar Lange). ولم يكتف مهندسو هذا التحول بإقرار منهج ونظام اقتصادي جديدين يقومان على الربط بين الاشتراكية والسوق وعملياً إدخال السوق الى الصين، وإنما ادخلوا الاستثمار الأجنبي الخاص أو المشترك أو نظام السوق وآلياته في مناطق الصين الشرقية والجنوبية، وحولوها الى “اقتصاد رأسمالي متطور”  قائم على نظام السوق، وقد باشروا وانطلقوا في تطبيق برنامج الاستثمار والتنمية والتحويل الاقتصادي الى السوق ليغطي شمال الصين وغربها.

وبحسب “ابو الاصلاحات” في الصين دينغ سياو- بينغ Deng Xiaoping (1904 – 1997)، كانت النقطة المحورية في الانتقال الى “اقتصاد السوق” هي خلق مناطق صناعية خاصة وموجهة نحو التصدير، واعتبار هذه المناطق بمثابة “فئران تجارب” يتم فيها تجريب جرعات مختلفة من عمليات الانتقال الى “اقتصاد السوق” وآلياته، بما يسمح للسلطات في الصين عزل تأثيرات الاتصال بالممارسات السوقية عن بقية اجزاء الاقتصاد والمجتمع. 

يصف قادة الصين اقتصادهم بأنه “اقتصاد سوق اشتراكي” ويعلنون أنهم يقيمون نظاماً يستند على اقتصاد السوق ودولة الحزب الشيوعي “في آن واحد” . فما يزال الاقتصاد الصيني محكوماً بجزء كبير، وان متناقص، بنظام الملكية العامة لوسائل الإنتاج الذي ارتبط به نظام الصين السياسي بقيادة الحزب الشيوعي الصيني. كما أن هذا النظام تجنب ورفض أي تحول سياسي يغير من طبيعة الدولة والسلطة السياسية عموما، وهذا ما يميزه عن التحول الذي حدث في الاتحاد السوفيتي السابق والبلدان الأخرى التي انتقلت من الاشتراكية الى الرأسمالية ضمن مسار معقد ونتائج كارثية.

ويرى بعض المفكرين ان نظرية وتطبيق “اقتصاد السوق الاشتراكي” تتخطى أساسأ حدود الرأسمالية، جامعة بين تفوق النظام الاقتصادي الاساسي للاشتراكية ومزايا “اقتصاد السوق”. اي ان النظام الاقتصادي الاساسي للاشتراكية يضمن العدالة في المجتمع بينما يؤكد السوق الكفاءة الاقتصادية. وبحسب هؤلاء فان “اقتصاد السوق في ظل اقتصاد السوق الاشتراكي يشبه حصانا روّض وربي جيدا يمكن للشعب ان يمسك بأعنته ويعمل وفقا للقيم  الاشتراكية” (1).

وخلال هذه الفترة (1982) اطلقت الاطروحة الجديدة التي سمیت بـ “اقتصاد الطیر في القفص” وهي تعبير عن فلسفة إصلاحیة حذرة مؤداها: انه یمكن السماح للطیر (دلالة على السلعة أو الخدمة) بالطيران بحریة ولكن في إطار ووجود القفص”الذي یتمثل بالسلطات التخطیطیة المركزية”، أي امكانية الجمع بين السوق والتخطيط المركزي (2).

الهوامش:

1.انظر: جنهاي يانغ، “الأهمية التاريخية للجمع بين الاشتراكية واقتصاد السوق”. في: الصـــــــــين: الاشتراكية، “الرأسمالية، السوق. ما هي الآن؟ والى أين تتجه؟” (مجموعة مقالات)، ترجمة عزيز سباهي (بغداد: منشورات الثقافة الجديدة، 2013)، ص 9.

2.لمزيد من التفاصيل قارن: یوریس رومر، “آسیا الوسطى في مرحلة التحول .. مأزق التنمیة السیاسیة والاقتصادیة”، الحلقة الأخيرة، مجلة البيان، العدد الرابع، الامارات العربية المتحدة، 2005، ص 6-7.

عرض مقالات: