ان قانون الانتخابات رقم 9 لسنة 2020 كان من اهم نتائج الاحتجاجات الغاضبة التي قام بها الشعب وقدم لها التضحيات الجسام والتي اطلقت عليها عدة تسميات منها ثورة تشرين واحتجاجات تشرين وغيرها، وهذا القانون كان امل الجماهير في تغيير منظومة العمل التشريعي، الذي يعد أساسا لكل تغيير في واقعنا المزري، لكن بعد ان تم التصويت على اغلب فقراته باستثناء بعضها وهي المفصلية في عملية التغيير فإنها تأخرت كثيرا ولأشهرٍ عدة.  وخلال هذه الفترة تم امتصاص الغضب الجماهيري ومن ثم تمرير ما كان يحفظ للجهات المنتفعة مصالحها، لذلك فان هذا القانون لم يكن بمستوى الطموح وقد أشرتُ الى ذلك في اكثر من مناسبة. ومن اهم الملاحظات التي لم تكن ترضي طموح الجماهير هو فتح باب الترشح لمن كان ملوثاً بشبهة الفساد أو مداناً بجرائم الفساد، ولهؤلاء النفوذ والوجاهة المالية التي تسخر لهم، مما يقلل من فرص التكافؤ مع المرشح المستقل، وسأوجز بعض هذه الملاحظات وعلى وفق الاتي: 

1. ان مجلس النواب هو الأساس الذي تبنى عليه منظومة الحكم في العراق، لان نظام الحكم فيه نيابي (برلماني) وعلى وفق ما ورد في المادة (1) من الدستور التي جاء فيها الاتي (جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ، وهذا الدستور ضامنٌ لوحدة العراق) وهذه الأهمية التي منحت لمجلس النواب يجب ان يقترن بأدوات مؤهلة لهذه المهمة، وأولها وصول أصحاب الخبرة والكفاءة وان يكون المرشح من أصحاب الشهادة الجامعية الأولية على الأقل (البكالوريوس) ، بينما قانون الانتخابات عاد والغى ذلك الشرط وأتاح الفرصة لمن يحصل على الإعدادية ليتحكم بمن نال اعلى الشهادات وعلى وفق ما ورد في المادة (8/رابعاً) من قانون الانتخابات، مع العلم ان عضو مجلس النواب مركزه يساوي مركز الوزير من حيث الرواتب والمخصصات وغيرها من المنافع وعلى وفق ما ورد في المادة (63) من قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم 13 لسنة 2008 ويتقاضى راتباً لا يقل عن عشرة ملايين دينار اذا كان عضوا واثني عشر مليون دينار، اذا كان رئيساً عدا مصاريف الحمايات والسيارات والنقل والسفر وغيرها من الامتيازات، وعلى وفق ما ورد في المادة (1/ثالثاً) من قانون رواتب ومخصصات مجلس النواب رقم (28) لسنة 2011.

2. ان قانون الانتخابات وردت فيه نصوص سائبة وفضفاضة أتاحت الفرصة لمرتكبي جرائم الفساد المالي بالترشح مرة أخرى، حيث ان نص المادة (8/ثالثاً) من قانون الانتخابات اشترط ان يثبت إثراءه من المال العام بحكم قضائي بات، مع ان الذي شرع القانون يعلم ان ذلك بحكم المستحيل لان قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل لم يرد فيه نص صريح باعتبار الجرائم المتعلقة بالوظيفة العامة والحصول على منافعها من جرائم الكسب غير المشروع، وانما تتم الإدانة على وفق الأحكام النافذة في قانون العقوبات والتي هي بمجملها جنح بسيطة، ويتم الاكتفاء بهذا الحكم واغلبها يتم ايقاف تنفيذ العقوبة بحق المدان، ولا تشكل رادعا لمن يمد يده على المال العام، ولا تتم محاكمته على الكسب غير المشروع الوارد في المواد (17و 18و 19 و 20) من قانون هيئة النزاهة رقم (30) لسنة 2011 ، لذلك لم يصدر أي حكم على متهم بفساد بموجب هذه المواد وإنما يتم الاكتفاء بمواد قانون العقوبات، وهذا النص الوارد في المادة (8/ثالثاً) من قانون الانتخابات قد أتاح الفرصة للتأويل والتفسير الذي يتجه ومصلحة الفاسدين. ومن تطبيقات ذلك قرار محكمة التمييز الاتحادية العدد 1/الهيئة القضائية للانتخابات/2021 في 15/6/2021 الذي سمح لاحد السياسيين بالترشح للانتخابات مع انه محكوم بجرائم الفساد، وعلى وفق ما ورد بشكل صريح في قرار الحكم أعلاه. وكان قرار الحكم قد استند إلى نص المادة (8/ثالثاً) من قانون الانتخابات النافذ .  

3. لم يرد في قانون الانتخابات أي نص يمنع المرشح من أعضاء مجلس النواب أو الوزراء والموظفين من أصحاب الدرجات الخاصة من ممارسة مهامه الوظيفية أو استخدام موارد الدولة التي تعود لدائرته في عملية الدعاية الانتخابية، اذ كان المفروض ان يتضمن القانون نصا صريحا يعد فيه المرشح مستقيلا أو يتمتع بإجازة عن وظيفته خلال فترة الترشح، للحد من توظيف إمكانيات الدولة لمصلحته. وشاهدنا بعضهم استخدم طائرات القوة الجوية للتنقل من اجل توفير الدعاية الانتخابية وهكذا.

ومن خلال عرض هذه الملاحظات نجد ان القانون لم يكن بمستوى طموح الجماهير التي خرجت ضد الفساد، ولم يكن بمستوى التضحيات التي قدمها الشعب من شهداء وجرحى، بعضهم ما زال يرزح تحت شدة الألم أو لأنه أصيب بعوق دائم، وقد بلغ عدد شهداء الاحتجاجات بالمئات والجرحى بالآلاف. وعليه ومما تقدم أرى ان يكثف الجهد التوعوي والتثقيفي تجاه إيجاد معالجة لهذا القانون، بما يتناسب وأهميته في رسم شكل الدولة ومحاربة الفساد وتقويم مسيرة العمل الوظيفي ومنع استنزاف طاقات البلد والعمل نحو توظيف الموارد للنهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والأمني والتعليمي.  وهذه المهمة لا تقف عند جهة معينة وإنما لا بد وان يشترك فبها كل مفاصل المجتمع الرسمية وغير الرسمية والشعبية والثقافية، وأجراء الانتخابات في ظل هذا القانون لن يغير من الواقع السياسي القائم الآن حتى وان تمكن بعض المستقلين من الوصول إلى قبة البرلمان فانهم أقلية غير مؤثرة تجاه جموح الجهات المنتفعة من طاقات البلد وموارده الغنية.

عرض مقالات: