يمكن وصف الأمية من أنها أشد أنواع أسلحة الدمار الشامل التي تصيب الشعوب وتدفعها لآجال طويلة إلى الوراء ، وللأمية فيما يسمى بالعراق الجديد أهدافها المعروفة والتي يأتي في مقدمتها تجهيل الأجيال والسيطرة على عقول البشر لأهداف سياسية أو دينية او حتى عنصرية، ولا نضيف جديدا اذا قلنا إن العراق كان يقف في مقدمة دول الشرق الأوسط والعالم العربي فيما يخص مستوى التعليم ومكافحة الأمية، وفي العام 1979حصد العراق خمسة جوائز من الأمم المتحدة (اليونيسكو ) في مسألة تقدمه في مكافحة الأمية، وبرنامج مكافحة الأمية كان واحدا من أهم منجزات ثورة 14 تموز، حيث تم افتتاح المئات من مراكز محو الأمية، وتطوع الشباب والفتيات للتدريس وتعليم الصغار والكبار وقد تخرج الكثير وخاصة من النساء اللواتي أصبحن معلمات وممرضات، وقد بلغ عدد المتطوعات من النساء أكثر من 42 الف متطوعة، وعندها انعقد المؤتمر الأول لرابطة المرأة العراقية حيث افتتح الزعيم عبد الكريم قاسم المؤتمر محييا المرأة ودورها التاريخي في مكافحة الأمية، وقد شهدت الفترة منذ العام 1979 - 1984 تطورا نوعيا في التعليم ومكافحة الأمية ، فقد انخفض مؤشر الأمية للأعمار بين 15- 45 ، وحسب تقارير الامم المتحدة إلى 27 % ، ونسبة النساء فيه 34%، خاصة في الريف، ونسبة الرجال 20%، وذهب البعض إلى القول إلى 10%. غير أن المؤشرات أعلاه أخذت تتراجع بعد العام 1984، جراء الحروب، وبلغت اليوم الأمية مراحل عالية وخاصة بين الأطفال، والمعروف أن التغيير الاجتماعي والاقتصادي الذي لحق بالعراق جراء الاحتلال الامريكي وما تلاه من تكون حكومات غير معنية بالاقتصاد والتعليم، جر البلاد إلى امية قاتلة سيما أمية الأطفال، وتشير الاحصائيات الصادرة عن وزارة التخطيط بالتعاون مع المنظمات الدولية  لعام 2020 إلى ان نسبة الأمية في العراق 13 % لمن تزيد اعمارهم عن ال 10 سنوات ، أي أن عدد الأميين يبلغ 3،7 مليون نسمة، ولم يشر الأستاذ عبد الزهرة الهنداوي إلى أن الأعمار المهمة في حقل الأمية هم المنخرطون في الدراسة من الأطفال بين سن السادسة والنصف والسابعة، إننا لا نشكك بأرقام وزارة التخطيط ولكن ما نشاهده عكس المطروح حكوميا، فلقد اعلن المستر بيتر هوكينز ممثل اليونيسف في العراق، لا زال الأطفال يشهدون رعبا شديدا لا يمكن تصوره وأن أكثر من ثلاثة ملايين طفل لا يذهبون إلى المدارس بشكل منتظم، وأن 1،2 مليون طفل خارج المدارس، ويمكن أضافة القصور الواضح في إدارة وزارة التربية لتعليم الأطفال تحت معطيات وباء كورونا من أن التعليم الابتدائي لم يكن موفقا خلال العامين الأخيرين وأن الصفوف الأولى والثانية والثالثة أعادت التعليم عقدا إلى الوراء، حسب قاعدة تتابع الأجيال.

إن العالم يضع الطفولة في المقدمة إلا العراق، وقد صدق أحدهم حين قال الطفولة هي مرحلة وسطى بين الملائكة والبشر، وهذه الطفولة منسية في جداول النواب والوزراء منذ السقوط، لأنها طفولة منسية في إعداد المناهج الحقيقية لمكافحة الأمية، وإعداد البيئة الصالحة للدراسة ، لا كما هي الحال في مدارسنا الطاردة للطفل المتعلم، ويقول لينين بهذا الصدد أعطني أربع سنوات لتعليم الأطفال، والبذور التي سأزرعها سوف لن تقتلع، نعم لقد تسيس التعليم وصار وزير التربية من حصة هذه الكتلة والتعليم العالي من حصة تلك الكتلة، وصارت التخصيصات التي تصرف للرئاسات الثلاثة أكير من التخصيصات المقررة لوزارة التربية، وصارت المناهج تستبدل من أجل الحصول على عائدات طبع الكتب.

إن معالجة الأمية والحد من تفشيها، يعتمد بالدرجة الاساس على الاهتمام بالتعليم الابتدائي على وجه الخصوص من خلال توفير الأمن للطفل الطالب، والمدرسة الجاذبة اللائقة والمعلم المتعلم بأصول التربية وعلم النفس، وبمعالجة حالة الطفل المادية من خلال مساعدة أهله ماديا لإبعاده عن شبح العمل القسري للطفولة، وأن يتم التفكير جديا بإلزامية التعليم الابتدائي وإصدار قانون مناسب وظروف التسرب الحالية، وأخيرا وعلى سبيل المثال إبعاد الفساد الإداري لمعاون مدير التربية الذي ينقل هذه المديرة أو تلك المعلمة حسبما يراه مناسبا من المردود المالي الذي يحصل عليه، فلنرحم الطفل الملاك ولننقذه من علة الأمية.