مع مرور الزمن وتكشف الحقائق وتجذر الأزمات، صار لا يختلف إثنان، على مسؤولية أحزاب الطائفية والمحاصصة في العراق، وبأشكالها القومية والدينية والمذهبية، في الذي جرى ويجري من ويلات وأزمات وكوارث ...

في استقراء أشكال تكون أحزاب العراق السياسية، يلحظ المتابع إلى استناد أغلبها تقريبا إلى القومية والدين والمذهب، وما يتبعها من تفرعات، وتصطف معها أيضا القوى والأحزاب العشائرية والمناطقية.

وضمن هذا المشهد السياسي، يكاد الحزب الشيوعي العراقي وعبر تاريخه النضالي الممتد لأكثر من ٨٧ عاما، ان يكون الحزب الأكثر تميزا ووضوحا عبر برنامجه ونظامه الداخلي وتوجهاته، والتي تستند إلى حقيقة تمثيله الطبقي لمصالح العمال والفلاحين ولشغيلة العمل والفكر.

في صف جبهة الشيوعيين تقف مجموعة القوى والأحزاب والمنظمات المدنية والوطنية التي تستند في برامجها وسياساتها إلى الهم الوطني خلافا للتسميات الأخرى.

في أربعينات القرن الماضي شهد العراق نشاطا ملحوظا وتأسيساً لعدد من الأحزاب السياسية التي جاهرت بتمثيلها لمصالح الفئات البرجوازية الصغيرة والوسطى، وللتجار والملاكين، لكنها وبسبب الظروف لم تستطع مواصلة العمل، وظلت امتداداتها حاضرة حتى اليوم، ولكنها ليست بالقدرة والفعالية والتأثير.

في العراق اليوم قانون ينظم عمل الأحزاب، ويفترض به أن يكون فاعلا وحقيقيا ومتابعا لعمل ونشاط وتكوين وتمويل جميع الأحزاب، ولكن الحقيقة غير ذلك، في الركن المتعمد لهذا القانون وتنحيته جانبا وبقصد وإصرار.

على امتداد ١٨ عاما تقريبا، كان الصراع ضاريا بين القوى المدنية والوطنية والديمقراطية وأبناء الشعب الطامحين لدولة المواطنة بعيدا عن التشظي والمسميات الأخرى، وبين قوى الشر المتشبثة بعنكبوت الطائفية والمحاصصة وتعدد الولاءات...

 وكانت الصورة أكثر وضوحا وسطوعا مع ما أفرزته انتفاضة تشرين الباسلة من نتائج مذهلة وصادمة، وهي تشير دون رتوش لمن تسبب في مصائبنا، راسمة الطريق الأمضى في مستقبل العراق.

 الأبرز في المشهد هو انصياع قوى السلطة وتنازلها عن الحكم مرغمة، وتشريع قانون انتخابات جديد، جاهدوا لأن يكون وفق مقاساتهم، والمضي مع المطلب الشعبي الصارخ في انتخابات مبكرة نزيهة وعادلة..

تمخض الصراع داخل الحركة التشرينية إلى فرز اتجاهات أربعة، حيث اصطف الاتجاه الأول مع الأحزاب الطائفية وأحزاب السلطة، والثاني مع الكاظمي، والأخر في تبني شعارات البعث الداعية لإسقاط العملية السياسية. ويبقى الاتجاه الرابع الأقرب إلى نبض الشارع العراقي والوطني في توجهاته، ويضم مجموعات وأفراد من الشبيبة التشرينيين الذين استخلصوا دروسا بليغة، وأولها خطأ ولا جدوى شعار كلا كلا للأحزاب وتخوين الجميع، مستدركين لاحقاً أن الحزب الشيوعي العراقي والقوى المدنية حليف استراتيجي لهم. وقد تبلور هذا الاتجاه عبر تكوين عدد من الكيانات الشبابية وعدد من الرموز المستقلة، ولهم حضورهم الفعلي في ساحة العمل الانتفاضي والمعارض..

 استمرار المواقف المبدئية المشاركة والداعمة للحراك، يشكل ضمانة لدوامه، وعبر توحيد جهود الجبهة المدنية الديمقراطية وتوفير أجواء صحيحة ضامنة لانتخابات نزيهة، وبأطر سلمية وشعارات واضحة بعيدة عن المحلية والفئوية..

هناك فرق شاسع بين اعتبار الانتخابات شكلا من أشكال الديمقراطية، التي ناضل الشعب طويلا لتجسيدها، وبين من يريدها وسيلة لتكريس الاستحواذ والمحاصصة واستمرار التحكم بمصائر الوطن والشعب.

وفي هذه الوجهة تبرز أهمية الخطاب الداعي لاستمرار الضغط الشعبي في الفترة التي تسبق الانتخابات من أجل التوعية وانتزاع التنازل من العدو الطبقي، وإيقاف مسلسل مصادرة الحريات وجرائم القتل وتزوير الانتخابات.

الموقف الوطني يدعونا إلى الابتعاد عن الخطاب الداعي لأسهل الحلول والداعي إلى العدمية والسلبية ومقاطعة الانتخابات والجلوس في البيوت، مع دوام التعبئة باتجاه الموقف الوطني المسؤول والواعي، وبغض النظر في حال الاشتراك في الانتخابات من عدمه.

ومن الأهمية التركيز على امكانية انتزاع وتحقيق المكاسب الوطنية، في حال تقارب وتنسيق وتعاون القوى المدنية والديمقراطية واليسارية ومنظمات المجتمع المدني من نقابات ومنظمات اجتماعية وشبابية ونسوية وطلابية.

التوازن السياسي يبقى الحاسم والمقرر الأرأس في المعادلة السياسية العراقية. وعلى كيفية العمل على تغيير الظروف والبيئة والأسباب التي يستند إليها هذا التوازن، يظل الرهان على قوى الشعب الحية والواعية، وعبر الانخراط ميدانيا في خوض النضال والمقاومة، ولصالح هدف كسب أكبر المؤيدين والداعمين لمشروع التغيير الوطني والديمقراطي المدني لتغيير مسارات التوازن السياسي الحالي ...

الشعارات المطالبة بتوفير بيئة صحية للانتخابات، وتوفير شروطها، هي شعارات واقعية وصحيحة، ولها سندهها الشعبي، وتبقى هذه الشعارات قائمة وفعلية ومؤثرة، وسيمتد تأثيرها طوال الفترة التي تسبق الانتخابات، وستكون حاضرة مع مواقف الناخبين واختياراتهم، وحتى لاحقا بعد الانتخابات وما يتمخض عنها من نتائج.

الموقف من المشاركة من الانتخابات من عدمه، يبقى في كل الأحوال موقفا سياسيا وفكريا، وهو ليس بالقرار الهين والسهل، خصوصا في ظل أوضاع عراقية صعبة ومتشابكة ومعقدة، ومع تكاثر وتزايد أعداد المتبارين في هذا المجال.

في الموقف من الانتخابات، يفترض النظر لمجمل اللوحة السياسية، وليس لجزء مختصر منها، فإلى جانب المعارضين والذين سيقاطعون، والمضمونة حقوقهم دستوريا، هناك قوى وأحزاب سياسية ومنظمات وأفراد، يريدون الاشتراك والمساهمة في هذه الانتخابات، من خلال المشاركة الفعلية بمرشحين، أو من خلال التصويت الفعلي.. ووسط هذه القوى خليط غير متجانس من الأهداف والنوايا لكل الأطراف، والتي يضمن لها الدستور وقانون الأحزاب هذه الممارسة الديمقراطية رغم علاتها...

 القوى المدنية والديمقراطية وعموم الطامحين لدولة السلام والإعمار والعدالة، لا يمكنهم تخوين الأحزاب والمنظمات الأخرى، فقط لكونها أحزابا ومنظمات بمسميات معينة، بل يمكن خوض الصراع الفكري والسياسي وحتى الأيديولوجي في توضيح خطل ولا جدوى ولا نفع سياسات وبرامج هذه الأحزاب، وعبر إقناع أكبر عدد من جماهير الشعب لعدم منحها الأصوات والتأييد، مقابل الترويج لبديلها من برامج وتوجهات مدنية وديمقراطية.

هناك أشكال من المقاطعة والرفض للانتخابات، وأبرزها المقاطعة الواعية والإيجابية والمتمثلة في المعارضة والاستعداد في العمل والفعل التغييرين، والمقاطعة السلبية وعبر الجلوس في البيوت وانتظار نتائج الانتخابات عبر شاشات التلفاز، وربما التأفف على نتائجها.

وعبر الحساب الرياضي البسيط، فأن نتائج المقاطعة الواعية عبر الحضور والتصويت بالرفض، لن تكون كبيرة ومؤثرة في النتائج، في ظل استعداد قوى مختلفة لخوض الانتخابات.

ومقارنة مع هذا الموقف الرافض والواعي، يبقى الموقف المشارك الواعي والمدرك، ذا تأثير أكبر وأعمق وأكثر دلالة، خصوصا وهو يسهم في تغيير خارطة النتائج المحتملة للانتخابات، وفي تمكين أصوات الشعب الحية في الحضور فعليا في واحدة من حلبات الصراع، وأقصد البرلمان العراقي، ومن خلال المشاركة الفعلية في الانتخابات عبر التعريف بالمرشحين المدنيين والوطنيين والشيوعيين، ودعوة جماهير الشعب للمشاركة بوعي ودراية، وحجب التأييد عن مرشحي قوى الفساد والطائفية، سيكون له فعله الايجابي وهذا لن يكون ذا تأثير أو قيمة، في حال مشاركة الشيوعيين منفردين في هذا الموقف، بل عبر جبهة بديل واسعة تضم قوى انتفاضة تشرين وكل القوى المدنية والشخصيات المدنية الوطنية المستقلة ومنظمات المجتمع المدني والنقابات بمختلف أشكالها .

هذه المشاركة ستكون أكثر فعالية وقوة وتأثير في حال استمرارها على مطالبها التي تخص توفر شروط الانتخابات، وغيرها، والاستمرار على كسب التأييد الشعبي والجماهيري لهذه المطالب، ومنها بالتأكيد تغيير نظام المحاصصة، الذي لن تغير الانتخابات القادمة الكثير من أسسه ومرتكزاته...

المشاركة الواعية الواسعة شعبيا من قبل قوى الانتفاضة والأحزاب المدنية وقوى الشعب الحية، ستكون رفضا واعيا لقوى الشر والمحاصصة.. وتغيير موازين القوى سيكون فعالا حين تتعدد جبهاته، ومنها بالتأكيد جبهة الشارع وسط الجماهير..

في المشاركة الواعية سوف لن تمنح القوى الفاسدة والمحاصصة الشرعية، بل بالعكس حين يكون الموقف برفضها، وعبر اختيار الوجوه المدنية والوطنية البديلة، واستمرار خوض النضال الوطني والمعرفي الذي سيطول لسنوات قادمة..

كانت مواقف الشيوعيين والمدنيين متقاربة ومتناسقة مع مواقف قوى تشرين والانتفاضة والفاعلين فيها، كانت قوية ومؤثرة، وسيكون لها حضورها الشعبي.

عرض مقالات: