كانت منطقة الشاكرية (ضمن مناطق الخضراء حاليا) ملاذا للفلاحين الهاربين من ظلم الاقطاع في العهد الملكي في الجنوب، كما أوجدت (العاصمة والميزرة “المجزرة”) وما سمي خلف السدة ملاذا آخرا لهم.

عانى أبناء الشاكرية من استعلاء أبناء بغداد عليهم وخصوصا من البيوتات الغنية المعروفة، أذ كانوا ينظرون لهم باحتقار واضح، ويطلقونه عليهم كلمة (الشروگـية) وعدوهم مواطنين من الدرجة الثانية، وسخروا من لهجتهم الريفية، رغم أنهم أصبحوا شغيلة في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص بكافة أنواعه.

السلطات الملكية تركتهم ضمن (الغيتو) الذين يعيشون فيه، محرومين من خدمات الماء النقي والكهرباء والمدارس والمستوصفات والشوارع المسفلتة، ومن الطريف أن حدود الشاكرية تنتهي عند حدود الشوارع المبلطة في مركز العاصمة بغداد.

وعندما جاءت ثورة 14 تموز، فأن أول ما فكر به رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم هو أن ينهي حزام البؤس في بغداد، من خلال بناء بيوت ملائمة لهؤلاء الفقراء.

فبدأت مشاريعه في “ألف دار” في تل محمد، ومدينة الشعلة والثورة، والحرية.

 لم يكتمل مشروع مدينة الثورة كما هو مخطط له بعد انقلاب 8 شباط 1963 الأسود، أذ صب الانقلابيون الفاشيون جام غضبهم على أبناء هذه المناطق التي قاومتهم.

وقد خطب رئيس الوزراء آنذاك أحمد حسن البكر في تموز 1963، بأن الحكومة ستهدم الشاكرية وأن حكومته ومن باب كرمها ستتبرع لكل عائلة بدينار وحمولة لوري من التراب لبناء بيوت طينية هناك.

وهدمت البلدوزرات بيوت الشاكرية الطينية الآيلة للسقوط أصلا، وكنست صرائفها، ونشرت الخراب ليس في الشاكرية فقط بل في عموم العراق.

 ونزحت العوائل أطفالا ونساءً وما تبقى من رجالها الذين لم يعتقلوا أو يقتلوا إلى أرض جرداء، حسب القطع الموزعة عليهم (التي كانت مشروع دور جاهزة للمواطنين حسب خطة قاسم).

 والطريف أن عوائل الشاكرية لم تحصل على هذا (الكرم) الضئيل من الحكومة، ربما أن البكر غضب من ضحك البعض من تصريحه، وقد سخر أحدهم منه علنا، فأمر الحرس القومي باعتقاله، وقد حكم عليه بالإعدام ولكن لم ينفذ، واستبدل إلى المؤبد لاحقا.

 وجد الشاكريون أنفسهم بلا سقف ينامون تحته، تشاطرهم الأرض الحشرات والافاعي والسحالي، وكان الحر شديدا في قيظ الصيف اللاهب، وهاجمهم البرد بقسوته في الشتاء أذ وصلت حرارته إلى درجة الانجماد عام 1964، البعض بادر لبناء صريفة والآخر بيت طيني ومن لديه بعض الماء بنى غرفة من الطابوق تؤويه، أو البعض الآخر من لديه المال هرب إلى مناطق أخرى كمستأجر فيها. والجدير بالذكر أن برميل الماء كان يباع عبر سيارات التانكر بدينار وهو مبلغ باهظ جدا آنذاك، على العوائل الفقيرة التي تستخدم الماء من أجل الشرب والغسل أو البناء.

 ذهبت أحلام الفقراء أدراج الرياح بعد اغتيال ثورة تموز، ولم تنصفهم الحكومات المتعاقبة إلى اليوم.

وظلت هذه الثورة عنوانا للأمل، وعنوانا للإنصاف الذي لم يتحقق بعد. فهل تأتي ثورة مثلها وتزيل تراكم الفاشية القديمة والجديدة، وتعلو كرامة الانسان العراقي؟ هذا ما نتمناه، والأيام حبلى بالمتغيرات، ولابد أن يزاح الطغاة.  

وكما قال الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (مهما اشتدت ثورة البراكين تبقى أضعف من ثورة النفوس)..

عرض مقالات: