كتاب بعنوان: (اغتيال ثورة 14 تموز 1958 في العراق)، للباحث عارف عبد الواحد المحمودي، الصادر عن عن مؤسسة ثامر العصامي – بغداد، في 2017، تضمن معلومات رصينة ذات أهمية بالغة في رصد مجريات الأحداث التي رافقت ثورة 14 تموز وحجم التآمر عليها.

تضمن الكتاب (13) فصلاً ومقدمة وافية تشير إلى أن تاريخ العراق منذ القدم وإلى الآن يكتب من قبل السلطات الحاكمة، حسب أهوائها في تزييف الحقائق وادعائها لنفسها أو هبتها لآخرين كانوا على هامش الأحداث لتمجيد من لا يستحق المجد. تشخيص دقيق من الباحث لما حصل لثورة 14 تموز 1958 بعد اغتيالها وظهور آخرين بالادعاء بأنهم من الضباط الأحرار والمخططين لها.

غطى الفصل الأول طبيعة الحياة السياسية، الاجتماعية، والاقتصادية المليئة بالأحداث المريرة التي سبقت مرحلة النظام الملكي، وألحقها بأحداث الحرب العالمية الأولى 1914 بين الحلفاء والمانيا، وإنحياز الدولة العثمانية إلى جانب المانيا.  وأشار إلى أن الحملة البريطانية بقيادة الجنرال “مود”، نجحت بتحويل العراق إلى مستعمرة بريطانية يديرها المندوب السامي. وقد استخدم المواطن العراقي في أعمال السخرة وتم تحويل الاقتصاد الزراعي لخدمة المجهود العسكري البريطاني لتموين قواته المتواجدة في المنطقة.

شكلت بريطانيا حكومة من بقايا ضباط واداريي الدولة العثمانية، من قوميات عدة لا رابطة تربطهم بالعراق سوى المصالح والمناصب. بعدها تأسست المملكة العراقية، وكُتب الدستور برعاية بريطانية، وتأسست المؤسسات العسكرية من جيش وشرطة ومحاكم للنظر في حل النزاعات، وتم الشروع في بناء البنية التحتية من مستشفيات ومراكز صحية ومدارس.

خصص الفصل الثاني لأحداث ثورة 14 تموز ودور قائدها الزعيم عبدالكريم قاسم في التحول النوعي في الحياة الاجتماعية للشعب العراقي وبناء الشخصية العراقية التي كسرت حاجز الخوف والتردد في المطالبة بحقوقها المشروعة والتعبير عنها بوضوح من خلال وسائل الاعلام المتاحة وتنظيمات المجتمع المدني المهنية كالجمعيات الفلاحية ونقابات العمال، المعلمين، المهندسين وذوي المهن الصحية والأطباء والصيادلة وجمعية الحقوقيين، والاقتصاديين ورابطة المرأة واتحاد الطلبة.

واتيحت الفرصة لصدور الصحافة الوطنية المعبرة عن الرأي العام العراقي، واجيز استمرار عمل بعض الصحف التي كانت تصدر في العهد الملكي كصحيفة الاستقلال، البلاد، الزمان، الأخبار، اليقظة، الرأي العام، صوت الأحرار، الحضارة، الحرية، الثورة، اتحاد الشعب، البيان، الأهالي وصوت الطليعة، بالإضافة إلى مجلة 14 تموز والعهد الجديد والدوريات التي كانت تصدرها المؤسسات التابعة للدولة.

وخلال الأشهر الأولى للثورة سنت الحكومة القوانيين والتشريعات التي تصب في خدمة المجتمع، أهمها قانون الاصلاح الزراعي رقم (30) لسنة 1958، الذي حدد الملكية الزراعية للفلاح، علماً بأن القطاع الزراعي في العراق يمثل  (86%) من الأيدي العاملة، مما يعني أن هذا القانون يشكل طفرة نوعية في رفع الحيف عن الأغلبية من سكان العراق. وفي نهاية عام 1961 شرع قانون رقم (80) بعد تعنت شركات النفط الاحتكارية بمفاوضاتها مع العراق، فكان الجواب استرداد الحقوق المشروعة للشعب العراقي.

وضع الباحث الفصل الثالث تحت عنوان: المتآمر عبد السلام عارف الذي تولى إذاعة بيانات الثورة وإعلان الجمهورية. كان أحد المنفذين لخطة الثورة التي وضعها عبد الكريم قاسم. اعطى الباحث وصفاً دقيقاً لشخصية عبد السلام، بأنه سريع الغضب ومتهور إلى حد كبير ويحب أن يحمد بما ليس فيه، وأفكاره مزيج بين القومية العنصرية المتطرفة والاسلامية الطائفية والمذهبية المتعصبة، مستنداً بوصفه على ما ورد في مذكرات عبد اللطيف البغدادي ج2 ص 78. وأكد بأن عبدالسلام، بعد نجاح الثورة، قد استغل منصبه وقام بزيارات متعددة للألوية والقى خطابات غير متزنة وبعيدة عن العقلانية بين الجنود والمواطنين.

وبينما تتوالى منجزات الثورة، كانت التجمعات والتظاهرات التي ينظمها المتآمرون من عملاء المخابرات المصرية من أدعياء القومية العربية والبعثيين ومطالبتهم بانجاز الوحدة مع مصر وسوريا قبل أي هدف من الأهداف الوطنية التي تهم الشعب العراقي.

استعانوا برئيس وزراء العراق في العهد الملكي رشيد عالي الكيلاني في عملية التخطيط والتآمر. كانت تحركاتهم مرصودة من المخابرات العراقية، فتمت احالتهم إلى المحكمة العسكرية التي اصدرت بحقهم أحكاما متباينة منها الاعدام شنقاً حتى الموت بحق الكيلاني، إلا أن الزعيم بعد فترة أصدر عفواً عنه وعن مجموعته.

توسع الباحث كثيراً في الفصول المتبقية بتفاصل أحداث التآمر ضد ثورة 14 تموز وقائدها، منها: مؤامرة حامية الموصل، والمتآمر عبدالوهاب الشواف، وتمرد 8 آذار 1959، ومحاكمة المتآمرين في مؤامرة الموصل. والدور التآمري التخريبي الكبير الذي قام به الرئيس المصري جمال عبدالناصر بتحالفه مع الرجعية ضد العراق، بما فيها المحاولة الفاشلة في اغتيال الزعيم عبد الكريم.

وتطرق الباحث إلى الدور التخريبي للشركات النفطية العاملة في العراق، وخصص الفصل التاسع بعنوان: مطالبة العراق باستعادة الكويت، وتحدث عن التمرد الكردي في شمال العراق، وأحداث مؤامرة شباط 1963، وختم بحثة بالكشف عن طبيعة الصراع والتصفيات التي طالت رموز البعث والتيار القومي، والاشادة بمواقف الزعيم عبدالكريم قاسم الأخلاقية والوطنية المشرفة.