استحضار الأدب في نقد رأس المال

ما من مناسبة إلا ويمكن لماركس أن يقتبس بصددها من الأدب العالمي: لدكّ معاقل خصم: على نحو ما يهاجم ماركس أولئك الاقتصاديين المغرمين بمثال روبنسن كروزو والذين يؤمنون بنماذج ومقولات فات زمنها شأنهم شأن دون كيخوته الذي «دفع ثمن تصوره الخاطئ أن الفروسية الجوالة تتلاءم بالقدر ذاته مع جميع الأشكال الاقتصادية للمجتمع»(1)، أو لبث الحياة في تجريد فاقد للحياة: كما يحصل حين يستعير من «فاوست» لغوته كي يصور ما يجنيه الرأسمالي من لقاء العمل الحي بالمواد الميتة: «إن الرأسمالي إذ يحول نقده إلى سلع تخدم كمواد بناء لمنتوج جديد، أي عناصر مادية لعملية العمل، ويلقح المادة المتشيئة الميتة بالعمل الحي، فإنه يحول القيمة، قيمة العمل الماضي المتشيّئ، الميت، إلى رأس مال، إلى قيمة حبلى بالقيمة، إلى وحش مفعم بالحيوية، يشرع في «العمل» وكأنه جسد مولّه بالغرام»(2)، أو كما يحصل حين يتكلم رأس المال ذاته بلسان شايلوك مبرراً استغلال عمل الأطفال في المصانع: «احتج العمال ومفتشو المصانع، انطلاقاً من اعتبارات الأخلاق والصحة، لكن رأس المال أجاب: فليقع عبء أفعالي على أمّ رأسي! القانون مبتغاي! الجزاء والرهن حسب العقد... أجل لحم قلبه / هكذا ينص العقد»(3)، أو لإثبات شيء: على نحو ما يثبت أنّ النقد هو ذلك المساواتي الراديكالي الذي يمحو جميع الفروق بإيراد خطبة من تيمون الأثيني لشكسبير عن الذهب بوصفه «مومس الجنس البشري»، تتلوها خطبة من (أنتيغونا) لسوفوكليس: «ما من شيء شاع بين الناس أكثر شراً من المال، يهدم المدن ويطرد الناس من بيوتهم. يغوي ويفسد أجمل النفوس نحو كل ما هو عار، ويعلّم الناس إتيان الفسق والفجور»(4)، أو ليُحكم فكرة من الأفكار يريد لها أن تبقى في الذهن: كما حين يصور القيد الذي يربط العامل إلى رأس المال ويجعل بؤسه شرطاً ضرورياً لثروة الآخرين بأنه «أشد من تقييد مطرقة هيفايستوس لبروميثيوس إلى الصخرة»(5)، أو حين يصور اغتراب العامل عن عمله في (مخطوطات )١٨٤٨ فيلجأ إلى واحد من أحب الأعمال إليه، ألا وهو (فرانكشتاين)، حكاية المسخ الذي انقلب على خالقه، كي يصور كيف يغدو عمل العامل «كينونة» خارجية توجد خارجه، منفصلة عنه وغريبة عليه، وتأخذ بمواجهته كقوّة مستقلة: ذلك أن الحياة التي وهبها للموضوع توجد كقوة معادية وغريبة(6)، وهذا ما يتكرر في (رأس المال) بعد أكثر من عشرين سنة حيث يرى أن الوسائل التي ترفع الرأسمالية الإنتاجية من خلالها «تشوه العامل وتحيله إلى كسرة من حطام إنسان، وتنزل به إلى درك ملحق تابع للآلة، وتدمر المضمون الإيجابي لعمله بما تضفي عليه من عذاب، وتستلب منه الطاقات الذهنية الكامنة في عملية العمل... وتحول أيام حياته كافة إلى وقت عمل، وتقذف امرأته وأطفاله تحت عجلات... رأس المال»(7)، أو حين يستحضر (جحيم) دانتي ليصف مصانع الكبريت الإنكليزية، حيث نصف العمال من اليافعين (بعضهم في السادسة من العمر) والظروف مرعبة لدرجة أن ذلك الجزء الأبأس من الطبقة العاملة والأرامل على حافة المجاعة وحدهم من يلقون أطفالهم فيها: «يتراوح يوم العمل بين ١٢ و١٤ ساعة، أو يمتد إلى ١٥ ساعة، مقروناً بعمل ليلي، وعدم انتظام أوقات الطعام والوجبات، وغالباً ما يأكلون الوجبات في ورش العمل نفسها المسممة بالفوسفور. وكان حريّاً بدانتي أن يرى في عذابات هذه الصناعة ما يفوق أسوأ العذاب الذي تخيله في جحيمه»(8).

ماركس الناضج

ليس ما سبق سوى غيض من فيضِ حضور أدب الآخرين في أعمال ماركس. والآن، ماذا عن أدب ماركس الراشد نفسه؟ ماذا عن المكانة الأدبية لأعماله ذاتها؟

أول ما يلفت الانتباه هو أنه بدلا من ماركس الفتى الذي يقر بإخفاقه الأدبي نجد هنا ماركس الناضج الذي يكتب إلى إنغلز في تموز ١٨٦٥: «والآن، في ما يتعلق بعملي، سوف أفضي إليك بالحقيقة الواضحة. مهما تكن العيوب القائمة في كتاباتي، فإن مزيتها تكمن في أنها كل فني»(9). وإزاء مثل هذا القول الذي يتكرر بأشكال عديدة، يبقى مدهشاً اقتصار من التقطوا أدبية ماركس على قلة قليلة بين الكثرة الكاثرة التي كتبت عن حضور كل شيء في أعماله ما عدا الأدب.

يجد الناقد والمفكر الأميركي مارشال بيرمان في كتابه “كلّ ما هو صلب يتحوّل إلى أثير: تجربة الحداثة”(10) أن وصف ماركس الشهير للتحول في «البيان الشيوعي» - «كلّ ما هو صلب يتحلل ويتحول إلى أثير» - قريب مما هيّئنا لأن نجده لدى رامبو أو نيتشه، لدى ريلكه أو ييتس وما قاله هذا الأخير عن «الأشياء (التي) تتداعى، والمركز (الذي) لا يقوى على الثبات»(11). ويرى بيرمان في كتابه الآخر (مغامرات في الماركسية) أن ثمة انفتاحاً للنهايات في أعمال ماركس يصله بعصرنا، وأن (رأس المال) يفوق الأعمال الحسنة التي شهدها القرن التاسع عشر الذي عاش فيه ماركس باتجاه حداثة القرن العشرين(12). وأنه بدلاً من اعتبار ما في (رأس المال) من سرد متشظ وتقطع جذري ضرباً من الشواش والاستغلاق فإنّ ماركس، حين كتب (رأس المال)، اندفع أبعد من النثر التقليدي باتجاه كولاج راديكالي، جاور فيه بين أصوات ومقبوسات من الأسطورة والأدب، من تقارير مفتشي المصانع والحكايات الخرافية، على طريقة إزرا باوند في (الكانتوس) أو ت. س. إليوت في (الأرض اليباب)(13).

أما مؤلف (رأس المال) فهو «واحد من العمالقة العظماء المعذّبين في القرن التاسع عشر إلى جانب بيتهوفن وغويا وتولستوي ودوستويفسكي وإبسن ونيتشه وفان غوخ، ممن دفعوا بنا صوب الجنون، كما دفعوا أنفسهم، لكنّ عذابهم ولّد قدراً كبيراً من الرأسمال الروحي الذي لا نزال نعتاش عليه»(14). بيد أن ذلك كله يبقى كلاما عاماً خارجياً لا يظهر أدب ماركس ذاته إظهاراً ناصعاً. ولعلنا نحتاج إلى التركيز على عمل بعينه تركيزاً مفصلاً كي تظهر تلك الأدبية بأكمل الوضوح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

1.كارل ماركس، رأس المال، المجلد الأول: عملية إنتاج رأس المال، ترجمة: فالح عبد الجبار (بيروت: دار الفارابي، 2013)، ص 111، 117

2.المصدر ذاته، ص 253

3.المصدر ذاته، ص 368 - 369

4.المصدر ذاته، ص 175

5.المصدر ذاته، ص 792

6.كارل ماركس، مخطوطات كارل ماركس لعام 1844، ترجمة: محمد مستجير مصطفى (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1974)، ص 77

7.ماركس، رأس المال، المجلد الأول: عملية إنتاج رأس المال، ص 792

8.المصدر ذاته، ص 315

9.أنظر: فرنسيس وين، رأس المال لكارل ماركس: سيرة، ص 14

10..Marshall Berman, All That Is Solid Welts Into Air: The Experience of Modernity (London and New York: Penguin Books,1988)  كانت الطبعة الأولى من هذا الكتاب قد صدرت عام 1982 في الولايات المتحدة عن Simon & Schuster وصدرت ترجمته العربية بعنوان حداثة التخلف: تجربة الحداثة، ترجمة: فاضل جتكر (قبرص: مؤسسة عيبال، 1993)، ثم صدرت في طبعة ثانية بعنوان (كلّ ما هو صلب يتحول إلى أثير: تجربة الحداثة وحداثة التخلف) - دمشق: دار كنعان، 2016

11..Berman, All That Is Solid Melts Into Air, p. 89

12..Marshall Berman, Adventures in Marxism (London and New York: Verso،1999), p. 34

13.المصدر ذاته، ص 33

14.المصدر ذاته، ص 85

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“الاتحاد” الحيفاوية – 19 آذار 2021

عرض مقالات: