“إن الأمة التي لا تأكل مما تزرع، وتلبس مما لا تصنع أمة محكوم عليها بالتبعية”.

سوف تدهش الأجيال الجديدة حين تعرف أن هذا التعبير هو للزعيم الوطني “مصطفي كامل” أطلقه في بداية القرن العشرين. في ذلك الوقت كانت مصر قد خرجت لتوها من حربها مع الاحتلال الفرنسي الذي خرج مدحورا، ثم ليحل محله الاحتلال الانجليزي الذي قاومه المصريون ببسالة الي أن خرج بدوره مدحورا. وتصبح مصر دولة حرة مستقلة، ويشتعل الجدل حول مضمون كل من الحرية والاستقلال.

ونشأت حركة التحرر الوطني العالمية في بلدان اسيا وافريقيا وامريكا الجنوبية لتتخلص شعوبها من كل اشكال الاستعمار القديم الذي تأسس على الاحتلال العسكري المباشر، ليحل محله الاستعمار الجديد القائم أساسا على الاقتصاد. وفي المرحلة الجديدة التي نعيشها الآن يدور صراع القوة حول السيطرة على الموارد والثروات، وتسخير العلم بدلا من العسكرية وصولا الي هذه السيطرة، حتى ان من يمسك بزمام العلم ويطوره بوسعه ان يسيطر على العالم.

وتتساءل الأجيال الجديدة التي توسع التعليم لاستيعابها فازدادت معارفها وخبراتها، وتخلصت، في الغالب الأعم، من قيود العالم القديم لتصبح اكثر انفتاحا علي العولمة وفضاءاتها ووعودها. واصبح وصف العالم بأنه قرية صغيرة قريبا جدا من الحقيقة بعد أن كان لدى نشأته موضوعا للتساؤل والاندهاش فتوسعت وتعمقت أسئلة الأجيال الجديدة.

وإذا كانت الانسانية قد نجحت بعد كفاح طويل في التخلص من الاستعمار القديم والاحتلال، باستثناء احتلال فلسطين الذي أخذ يتراجع في ذاكرة العالم، بل واصبحت اسرائيل امرا واقعا وهي التي قامت علي نقيض كل ما دافعت عنه وضحت من أجله حركة التحرر، ومن ضمنه فصل الدين عن السياسة وعن الدولة، ورفض تأسيس القومية على أساس الدين مثلما هو حال إسرائيل “كدولة يهودية” وأصبحت فلسطين هي آخر دولة محتلة في العالم وفي وضع لا تلوح له نهاية .

أقول اذا كان ذلك كله قد حدث بتضحيات كبيرة, فقد نشأت العنصرية على ركائز من النهم الاستعماري والانقسام الطبقي الهائل. وقد بحثا معا – اي الاستعمار والانقسام الطبقي- عن مسوغات روحية قوية لبناء المنظومة الفكرية التبريرية المركبة عليها.

يجادل بعض الباحثين عن حلول عملية وعلمية عاجلة لمشكلات الحاضر- وهي كثيرة- في جدوى الفكر النظري، وما يسمونه بالمسائل الكبرى التي رافقت البشرية بصور مختلفة منذ أن دب الانسان على الارض مميزا عن كل المخلوقات الاخرى لأنه يعي ويفكر.

والحق أن لهذه المسائل الكبرى اهمية أكثر مما يتصور العمليون والداعون لترك الدنيا تسير كما تهوي. وسوف نتذكر في هذا الصدد ان قدرا من التخطيط الواعي، كبر أم صغر، قد رافق مسيرة الانسان منذ القدم وهو يخطو في مجاهل الطبيعة ويصنع الحضارة والثقافة الانجازات والافكار والقيم مادية ومعنوية وروحية.

لهذا كله لازمت فكرة التخطيط المسبق كل المشروعات الكبرى في تاريخ البشرية. ان السد يتشكل في ذهن المهندس قبل أن يشرع في وضع رسوماته على الورق كذلك كل أداة وآلة اخترعها الانسان وهو يخوض في غمار الحياة من أجل جعل الدنيا صالحة لطيب العيش.

ولا يتعلق التخطيط للمستقبل بالدول والمشروعات الكبرى فحسب وانما هو سمة بل أساس لكل عمل الانسان العصري والمتحضر، وإن كان فنانون ومبدعون يرون ان في مثل هذا الطرح أو التصور النظري مصادرة للخيال وللجنون الابداعي. ويدور جدل واسع في أوساط علماء النفس، خاصة في ظل ما يكتشفونه من أدوات وأفكار جديدة حول منابع الابداع ودوافعه، وحول عقل الانسان وتطوره ومكوناته. وتقول بعض نتائج هذا الجدل الذي يطلعنا على الجديد كل يوم أن الجزء الفاعل في عقل الانسان لا يزال صغيرا جدا، وأن هناك آفاقا واسعة بلا نهاية لتطوره وقدرته على الابتكار والاكتشاف. وليس ادل على صحة هذا الطرح من هذه القدرة الفذة للعقل الانساني على اكتشاف الذرة وتطويعها واستخدامها. واذا كانت الاطماع والشراهة الاستعمارية قد طوعت هذه الذرة المكتشفة للايذاء والابادة، فإن الروح الطيبة الاصلية الكافية في كل البشر لابد انها سوف تنجح ان اجلا او عاجلا- وكما حدث فعلا- في استخدام الذرة بل وكل مازال خافيا علينا في الطبيعة، لمصلحة الرقي الانساني والقضاء على الظلم والاستغلال والعنصرية وهي اهداف الانسانية في كفاحها المتواصل للارتقاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“الأهالي” – 28 ننيسان 2021

عرض مقالات: