بدأت أسعار المواد الغذائية كالألبان والزيوت واللحوم والأجبان في الارتفاع في الأسواق السويدية إضافة إلى قفزة غير مسبوقة في أسعار الطاقة الكهربائية والوقود، وذلك مع بداية شهر كانون الثاني الجاري، مما أوصل التضخم إلى 10.2 في المائة، حسب ما أعلنت عنه هيئة الإحصاء.

كما تواصل تراجع قيمة الكرون السويدي أمام العملات الأخرى مما بات يشكل عبئاً حقيقياً على الطبقات الوسطى والدنيا، حيث يشير كبير الاقتصاديين في بنك (SEB) إلى أن انخفاض قيمة الكرون بما لا يقل عن 75 في المائة، مع بقاء مستوى الأجور ثابتاً تقريباً، أدى إلى فقدان المواطنين لما لايقل عن 35 في المائة من قيمة رواتبهم ومدخراتهم، ولم يعد مرتب بعشرين ألف كرون كافياً للعيش برفاهية كما كان الحال عليه قبل عقد من الزمان.

ويرجع المراقبون هذا التدهور إلى اضطراب الوضع العالمي بسبب الحرب في أوكرانيا ورفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وزيادة الطلب على الدولار واليورو في السويد. ويحددون عدداً من التأثيرات السلبية لإنخفاض قيمة العملة على المواطن بإضعاف القوة الشرائية والسيولة المالية وارتفاع أسعار السلع وخاصة المستوردة منها، مشيرين إلى أن هذا التدهور في قيمة العملة سيستمر حتى وقت ليس بالقريب.

التخلي عن الحياد

ويبدو أن لتخلي السويد عن ما عرفت عنه من حياد طيلة قرنين من الزمان، والذي ظهر في الانتماء إلى الإتحاد الأوربي ثم طلب الانضمام إلى حلف الناتو، وانغماسها بشكل غير مسبوق في دعم حكومة كييف عسكريا ومالياً في الصراع مع روسيا، تأثيرا مباشرا على الوضع السياسي والاقتصادي للبلاد. وفيما يعيش المجتمع جدلاً عميقاً وإستقطاباً شديداً منذ الإنتخابات التشريعية في أيلول الماضي، والذي حقق فيها تكتل اليمين أغلبية بسيطة، تثار تساؤلات جادة حول الدور الذي يمكن أن تلعبه السويد (غير المحايدة) في رئاسة الإتحاد الأوربي، في ظل تصاعد غير مسبوق للعنصرية ولنشاط عصابات الجريمة المنظمة ولمعاناة الأقليات المهاجرة.

وجاءت أبرز الإنتقادات من حزبي اليسار والبيئة، الذين رفضا إنضمام السويد لحلف الناتو، ودعيا إلى أن تبقى السويد صوتًا قويًا للسلام والديمقراطية في العالم. ويعرب الحزبان عن إعتقادهما بأن للسويد تجربة طويلة من الحياد والسلام منذ الحرب العالمية الأولى والثانية، وإنها نجحت  في الحفاظ على سلامة شعبها وأرضها ، في ظروف الحرب الباردة، التي كانت أسوأ بكثير مما هي عليه الآن.  وتمثل الصفقة الأخيرة من الدعم العسكري الذي أعلن عنه رئيس الوزراء أولف كريسترشون إلى أوكرانيا، الأسبوع الماضي، والتي تضمنت تزويدها بنظام مدفعية آرتشرالمضادة للصواريخ، إنتقالة كبيرة في الإنغماس في الأزمة الأوكرانية، إلى الحد الذي بات يحمل معه بوادر إختلافات بين القوى السياسية والاجتماعية من الوسط واليمين.

الإنضمام لحلف الناتو

هذا وتجدر الإشارة إلى أن السويد قد واجهت رفضاً تركياً لطلب إنضمامها لحلف الناتو، الذي يشترط نظامه موافقة جميع الأعضاء على إنتماء عضو جديد للحلف. وجاء رفض أنقرة كمسعى للضغط على السويد لقطع علاقاتها مع الحركة التحررية الكردية، لاسيما في سوريا، وتسليم العديد من نشطائها من اللاجئين السياسيين في السويد والذين يتمتعون بحمايتها، إلى الأمن التركي. ورغم توقيع الحكومة السابقة لأتفاق مع أردوغان تلتزم له فيه بتنفيذ شروطه، رفضت المحكمة العليا بعض فقرات الإتفاق، الذي واجه انتقادات واسعة. كما وجهت مظاهرات شعبية، عُلقت فيها دمية لأردوغان (تشبهه بما حدث لموسوليني) ، صفعة أخرى للإتفاق، إذ رفض الادعاء العام السويدي فتح تحقيق في حادثة تعليق الدمية، رغم تنديد الحكومة بهذا الفعل، وهو ما اعتبره كثيرون متناقضاً مع الديمقراطية وحرية التعبير.

فساد غير مسبوق

وتعيش الحكومة على صعيد أخر، أمراً غريباً أخر، حيث يبدو أن خلو مؤسسات البلاد من الفساد، إلى الحد الذي تخلو فيه قوانينها من عقوبات لمثل هذه الجرائم، لم يعد تميزاً لها، بعد أن أعلن عن شبهات رشى في ما يزيد عن 10 في المائة من صفقات الشراء الكبيرة والتي مولّت من أموال دافعي الضرائب، خلال السنوات الخمس الأخيرة. وقد دفعت مجمل هذه المشاكل رئيس الحكومة اليمينية إلى طلب التعاون مع أحزاب اليسار والوسط في جميع أو بعض القضايا، وهو ما رفضته فوراً زعيمة اليساريين نوشي دادغوستار.a

عرض مقالات: