تحت الأعلام الحمر، وكما هو الحال في منتصف كانون الثاني من كل عام، يتم إحياء ذكرى استشهاد روزا لوكسمبورغ وكارل لبيكنشت ورفاقهما. لقد تمت تصفية المؤسسان الأبرز للحزب الشيوعي في المانيا في 15 كانون الثاني، قبل 104 سنوات، على يد فاشيي مليشيات الفيلق الحر، بضوء أخضر من وزير الدفاع والقيادي في الحزب الديمقراطي الاجتماعي غوستاف نوسكه. وفي تناغم كامل مع زعيم الحزب والحكومة الألمانية حين ذاك فريدرش ابيرت. اليوم، تتبنى الحكومة الألمانية التي يقودها نفس الحزب عسكرة السياسة الخارجية الألمانية وتخصص 100 مليار يورو إضافية لدعم الجيش الألماني الذي يجب ـ وفق المستشار الألماني ـ ان يكون مستعدا لدور جديد في صراع المراكز الرأسمالية على الهيمنة، في اطار دور التابع المنفذ للسياسة الامريكية، الساعية لإطالة امد الحرب بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

لقد عكست مسيرة هذا العام اهمية وراهنية نضال روزا لوكسبورغ وكارل ليبكنشت ضد الحرب وفي سبيل السلام والاشتراكية، حيث شارك في الاستذكار أكثر من 13 ألفا، في تجاوز واضح لعديد المشاركين في السنوات السابقة، وبمشاركة لافتة من منظمات الشباب اليسارية على تنوع مشاربها. وكانت اللجنة المنظمة راضية عما تحقق، من الشباب والعديد من الأعلام. وكان ممثل قيادة التظاهرة راضيًا عن الدورة، على الرغم من حضور ممارسات الشرطة القمعية.

الى جانب صور روزا وكارل رفع المتظاهرون صور لينين. لقد “بين لينين ان الامبريالية تعني الحرب”، “أظهر لينين أن الإمبريالية تعني الحرب”، قال أحد المتظاهرين الاتراك. ولهذا ينبغي ان يكون الزعيم الثوري الروسي “مرشدا لليسار”.

وامتازت المسيرة كما في كل عام بمشاركة منظمات اليسار غير الألمانية، والمسيرة تمثل احدى مفردات برنامج الاستذكار الذي تشارك في تنظيمه قوى اليسار الألماني، كل على طريقته. ويشمل البرنامج مهرجانات خطابية وفنية، ومعارض تشكيلية، بضمنها حفل خطابي ينظمه الحزب الشيوعي الألماني، بالإضافة الى ذلك تلتزم قيادة حزب اليسار وكتلته البرلمانية بوضع أكاليل من الزهور على النصب الاستذكاري للشهداء في مقبرة الاشتراكيين، حيث دفنت جثمانين روزا وكارل ورفاقهما.

في عام 1914، كان كارل العضو الوحيد في البرلمان الألماني في حينها، الذي صوّت ضد تخصيصات الحرب. وكتبت روزا في نفس العام: “ان جميع الطبقات الحاكمة يدفعون اليوم باتجاه الكارثة، وتعتبر المانيا مثالا كلاسيكيا على ذلك”.

يوميات الاعتقال والاستشهاد

  14 كانون الثاني 1919

ونشرت جريدة “الراية الحمراء” المقالة الأخيرة لروزا لوكسمبورغ التي كتبتها قبل ليلة من استشهادها والتي حملت عنوان “النظام يسود في برلين”:

“لقد فشلت القيادة، ولكن القيادة يمكن ويجب تشكيلها مجددا من قبل الجماهير ومن أوساطهم. الجماهير هي العامل الحاسم، فهي الصخرة التي يبنى عليها النصر النهائي للثورة. [...] ان النظام يسود في برلين! ايها التوابع المملون ان “نظامكم” مبني على الرمال. ان الثورة ستصل غدا الى ذروتها بسرعة، ولرعبكم ستعزف الابواق [...] كنت وما زلت وسأكون”.

وكتب كارل ليبكنشت مقالة ضمنها وصيته الأخيرة: “لقد تمت هزيمة السبارتوكوسيين، [...] نعم، تمت هزيمة عمال برلين الثوريين! وذبح المئات من أفضلهم! وألقي في السجن بالمئات من أوثقهم! [...] لكننا نحن هنا لن نهرب ولم ننهزم [...] نحن هنا وسنبقى! والنصر سيكون نصيبنا. [...] واذا قدر لنا ان نعيش، فسيكون برنامجنا هو المهيمن على البشرية المستعادة. على الرغم من كل شيء”.

15 كانون الثاني 1919

على إثر وشاية خبيثة من أحد المخبرين، اقتحمت وحدة عسكرية المسكن رقم 43 في شارع مانهايم في حي فيلمرسدوف البرليني، حيث كانت تختفي روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنشت، وقامت باعتقالهما، مثلما كان يحدث غالبا في حياتهما. وفي فندق “ايدن”، الذي تحول الى مقر لفوج حرس سلاح الفرسان، وبمعرفة من نوسكه، جرى تعذيبهما واستجوابهما وقتلهما. وتم تسليم جثة كارل ليبكنشت باعتباره قتيلا غير معروف الهوية، وجرى القاء جثة روزا لوكسمبورغ في “قناة الجيش” في برلين.

شيع 150 ألفاً كارل ليبكنشت والشهداء الآخرين الى مثواهم الأخير في مقبرة حي فردريش فيلده البرليني، والتي سميت لاحقا بمقبرة الاشتراكيين. وحملوا تابوتا فارغا لجثمان روزا لوكسبورغ الذي لم يتم العثور عليه حتى ذلك الحين.

1 حزيران 1919

 عثر على جثة روزا لوكسمبورغ قرب احدى بوابات قناة الجيش بالقرب من أحد الجسور. وكانت مهمة التعرف إلى الجثة محزنة وصعبة لرفيقة روزا وسكرتيرتها ماتلدا ياكوب، التي تعرفت إلى الجثة من خلال الفستان الذي ترتديه، ومن ميدالية كانت لصيقة بها. وفي 13 حزيران نظم تشييع ودفنت إلى جوار رفيقها كارل ليبكنشت. 

عرض مقالات: