اعلن تحالف قوى الحرية والتغيير - المجلس المركزي في السودان انه وقع اتفاقا اطاريا مع العساكر، ينهي حالة الانقلاب التي دخلت فيها البلاد منذ تشرين الاول من العام الماضي .

وأرجأ الطرفان الاتفاق النهائي الي ما بعد التوصل الى توافق بين كل قوى الثورة، التي تنقسم الى عدة كيانات شعبية وسياسية، ابرزها تحالف قوى التغيير الجذري الذي يضم الحزب الشيوعي وبعض الاطراف الثورية صاحبة الحضور الاكبر في الشاع، وعلى رأسها لجان المقاومة، و”غاضبون بلاحدود” و”ملوك الاشتباك” .

ويجيْ الاتفاق الجديد علي ضوء وثيقة دستورية اعدتها لجنة تسيير نقابة المحامين. لكن احد اعضاء اللجنة، وهو يحي الحسين القيادي في حزب البعث السوداني، كان قد اعلن في مؤتمر صحفي عقد سابقا، ان تلك الوثيقة اعدتها جهة اجنبية وتمت ترجمتها الي اللغة العربية وبصورة غير احترافية. واشار الي ذلك ايضا الخبير الدستوري وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الاستاذ صالح محمود. واشارت اصابع الاتهام في اعداد الوثيقة، الى مستشار الرئيس الجنوب افريقي السابق ثامبو امبيكي، الذي لعب دورا مهما في النزاع السوداني في عهد الرئيس البشير .

لكن جهات اخرى تنسب الوثيقة الى شركة محاماة امريكية، يعمل فيها عدد من وزراء حكومة الشراكة السابقة، ولا تستبعد ان يكون مستشار امبيكي علي صلة بها. وحسب مصدر خبير في وضع الدساتير ان هذه الوثيقة تعتبر نموذجا اعدته تلك الشركة للدول الخارجة من نزاعات، وتواجه مشكلات في الوصول الي اتفاق سياسي يشكل مباديْ فوق دستورية كما هو حال السودان .

تجدر الاشارة الي ان الشركة الامريكية المشار اليها كانت قد قامت بدور استشاري في ملف قسمة الثروة في اتفاقية السلام عام ٢٠٠٥، التي قادت الي فصل جنوب السودان، كما قامت بدور السكرتارية لبعض الحركات المسلحة في اتفاقية جوبا الاخيرة، التي جعلت الاتفاق يعلو علي الوثيقة الدستورية لعام ٢٠١٩. كما انها جعلت الحركات المسلحة جزءا من شركاء الفترة الانتقالية، التي مثلت الحاضنة السياسية للحكومة عقب توقيع الاتفاق.

وفي ذلك يشير صديق تاور، عضو مجلس السيادة وعضو وفد الحكومة لمفاوضات جوبا في لقاء مع قناة محلية،  ان هذه الشركة استمالت عضوين  في وفد الحكومة لصالح موقف وفد الحركات المسلحة والمكون العسكري، بعد لقاء تم في اديس ابابا  اثناء سير المفاوضات.

لكن الحرية والتغيير من جانبها تنفي هذه الاتهامات، وتقول ان الوثيقة سودانية. كما انها لا تجد حرجا في الاستعانة بخبرات دولية واقليمية مشابهة ،وان المهم عندها ليس مصدر الوثيقة وانما محتواها. وهي تعتبرها افضل من وثيقة ٢٠١٩، لانها ضمنت مدنية الدولة بالكامل، ووضعت الاجهزة الامنية والقوات النظامية تحت سيطرة مجلس الوزراء المدني. كما جعلت من رئيس الوزراء المدني في الوقت عينه رئيسا لمجلس الامن والدفاع ، وهو ما لم يتحقق في الوثائق الدستورية والفترات الانتقالية السابقة.

لكن المراقبين يجمعون على ان العقبة الاساسية التي تعترض طريق تنفيذ الوثيقة وتصعّب مهمة الوصول الى اتفاق نهائي، هي مسألة تطبيق العدالة .فالعسكريون يطالبون بحصانات ضد المساءلة الجنائية في الجرائم التي وقعت في الفترة الماضية، منذ جريمة فضّ اعتصام القيادة العامة وعقب انقلابهم في ٢٥ تشرين الاول الماضي. بينما تقترح الوثيقة مزيجا من اشكال العدالة، تتضمن العدالة الجنائية والانتقالية، وتقترح عقوبات معنوية وسياسية  في قضايا النزاعات، وتلك التي لا تحدد فيها المسؤولية بصورة فردية.  وهذا ما ترفضه الاطراف الثورية في الشارع، خاصة تجمع اسر الشهداء والمفقودين والجرحى، الذين باتوا لا يثقون في لجان التحقيق الحكومية، بعد التلاعب الذي تم كشفه في المشارح بهدف اخفاء هوية الجثث. هذا الى جانب الفساد وبيع الاعضاء، الذي كشفت عنه لجنة متخصصة مؤخرا .

هذا التناقض بين الموقفين ظهر قبل يومين في مواكب مدينة الخرطوم بحري، التي سيّرتها لجان المقاومة بعد يوم واحد من اعلان الوصول الي اتفاق اطاري، وجاءت تخليدا لذكرى يوم ١٧ تشرين الثاني، الذي يعتبر واحدا من ايام الثورة الخالدات، مما يضع قوى الحرية والتغيير بين تعنت  العساكر وعدم رغبتهم في فتح تحقيق حول جرائم متصلة بهم، وبين  ضغط الشارع الثائر المصرّ على تحقيق العدالة والاقتصاص من الجناة.

عرض مقالات: