شكلت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني مسيرة كفاحية حافلة بالتضحيات ومواجهة التحديات ومجابهة الاحتلال الاسرائيلي وحلفائه في المعسكر الامبريالي والرجعي والظلامي منذ انطلاقتها المجيدة في الخامس عشر من تموز 1967 في مدينة القدس، على أيدي مجموعة من المناضلين، الذين أخذوا على عاتقهم صياغة هذه الفكرة الجبهوية في ظل ظروف بالغة التعقيد، حيث كانت الدماء نديّة وراية الانكسار عالية بعد زلزال حزيران الذي سمّي بـ “النكسة”، فكان العنفوان والعمل الثوري، وكان الرد على الهزيمة في اطار تعزيز الرفض للاحتلال ومقاومته وتجميع قوى وطاقات شعبنا وتنظيمها الجبهوي، وإطلاق شرارة الانطلاقة لفصيل ثوري مقاوم رفع وتيرة النضال وأبدى الاستعداد للمواجهة الحتمية مع هذا الاحتلال الجاثم على الأرض العربية الفلسطينية، لتستمر مسيرتها النضالية بثورة مستمرة، جنباً الى جنب مع كافة فصائل العمل الوطني نحو تحقيق أهداف شعبنا في الحرية والعودة والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس

جاءت هذه الانطلاقة قبل 55 عاماً لتؤكد ميلاد فصيل فلسطيني مقاتل، هويته فلسطينية ورايته النضال وبرنامجه الكفاح الوطني بمختلف أشكال النضال وفقاً لكل مرحلة من مراحل النضال، حيث قدمت الجبهة تضحيات كبيرة عبر هذه المسيرة الطويلة، وبات لها سجل نضالي عريض معمد بدماء الشهداء وعذابات وتضحيات الأسرى والمناضلين، فكان لها دورها الطليعي في مسيرة نضال شعبنا وفي معارك الدفاع عن الثورة والشعب والقرار الوطني المستقل الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، وخاضت الكفاح الشعبي المسلح وحرب الشعب طويلة الأمد في مواجهة الاحتلال وجرائمه الوحشية، وكانت من أوائل الفصائل الفلسطينية التي تقوم بعملية تبادل للأسرى، وكانت من أوائل هذه الفصائل التي قامت بخطف الطائرات من أجل لفت أنظار العالم لقضية شعبنا ودعوة المجتمع الدولي والعالم للتدخل وإنهاء الاحتلال عن كامل ترابنا العربي والفلسطيني المحتل.

والجبهة وحدها من بين كافة الفصائل من كانت بدايتها من قلب فلسطين، من قلب القدس بعد هزيمة النظام الرسمي العربي في عدوان حزيران 67 لتكون قوة طليعية وثورية في مجابهة الاحتلال والتصدي لسياساته ومخططاته، وقوة رئيسة من قوة الثورة الفلسطينية الواعدة التي حملت أحلام وآمال شعبها نحو الحرية والكرامة الوطنية والاستقلال الوطني الناجز.

جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، أحيت ذكرى انطلاقتها هذا العام وهي أكثر صلابة وحضوراً سياسياً وتنظيمياً مما قبل، حيث أتمت قبل نحو عام من الآن عقد مؤتمرها الوطني العام الثاني عشر عشية ذكرى انطلاقتها، وعقد هذا المؤتمر بحضور وطني وعربي ودولي كبير يؤكد المكانة المرموقة لهذا الحزب الديمقراطي الاشتراكي الفلسطيني في قلب الحركة السياسية وفي علاقات الجبهة المتميزة مع حشد كبير من الأحزاب السياسية حول العالم وبخاصة علاقات الجبهة المتميزة مع الحزب الشيوعي الصيني، ومع عدد كبير من الأحزاب الشيوعية واليسارية والديمقراطية والقومية في العالم العربي ومع القوى والأحزاب الاشتراكية في العالم من خلال الاشتراكية الدولية والتحالف التقدمي العالمي ومن خلال الجبهة الأممية المناهضة للإمبريالية والفاشية والتي تحظى الجبهة بحضور لافت فيها.

جاءت ذكرى الانطلاقة، انطلاقة القول والفعل – الذي عبرت عنه الجبهة على مدار تاريخها الكفاحي المجيد، لتؤكد الاستمرار في مسيرة التجديد الديمقراطي والتمسك بخطابها التقدمي والديمقراطي على المستوى التنظيمي الداخلي وعلى مستوى الحياة السياسية والمجتمعية الفلسطينية، حيث تناضل من أجل التغيير الديمقراطي وإشاعة المناخ الديمقراطي والنضال من أجل سيادة القانون وتعميق وتكريس حرية الرأي والتعبير والحريات العامة التي ينبغي صونها وإعلاء شأنها كحق كفلته القوانين الفلسطينية وأسست له وثيقة اعلان الاستقلال الفلسطيني.  في هذه الذكرى الخالدة من تاريخ شعبنا وحركته الوطنية، ما زلنا نستلهم تجارب القادة المؤسسين الذين رسخوا حضور الجبهة ومواقفها وأفكارها الثورية والتقدمية.  نستحضر بشموخ كبير مسيرة القائد الراحل المؤسس والباني د. سمير غوشة، الذي أغنى مسيرة الجبهة وعزز حضورها على كافة المستويات بصلابة الموقف ووفق رؤية شمولية برنامجية عكست المكانة العالية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني على خارطة الفعل السياسي والمقاوم للاحتلال، وفي نضالها السياساتي لإرساء العدالة الاجتماعية وتعزيز الحياة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني.

تمضي الجبهة بمسيرتها بكل شجاعة بقيادتها الحكيمة وعلى رأسها الأمين العام د. أحمد مجدلاني، فارضةً حضورها السياسي والمجتمعي والتنظيمي بشكل لائق يحظى بثقة واحترام أبناء شعبنا وأصدقاء شعبنا في العالم ككل.  تجدد الجبهة في برامجها وفي رؤاها وفي سياساتها الاجتماعية والاقتصادية لتكون أكثر التصاقاً بقضايا الشعب من مختلف الشرائح والمكونات، منحازة أكثر للفئات الاجتماعية الضعيفة والمهمشة من العمال والمسحوقين، الذين لهم كل الحق في انتزاع حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وفق معادلة وطنية برنامجية سياساتية تؤسس لمنظومة العدالة الاجتماعية .

في هذه الذكرى المجيدة، نشمخ عالياً ونرفع رؤوسنا عالياً بأننا أعضاء في هذه الجبهة، في جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، هذا الفصيل الأساسي من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.

نرفع رؤوسنا عالية لأننا جزء من هذه المسيرة الحافلة بالنضال، ونرفع رؤوسنا عالية لما تتمتع به الجبهة من مكانة سياسية وحزبية وثيقة في الساحة الفلسطينية كساحة عمل مركزية وفي كافة ساحات العمل في البلدان العربية والأوروبية في الأمريكيتين وروسيا حيث تتوسع دائرة عمل الجبهة مجددةً شبابها ووثائقها لتكون منسجمة مع كافة التطورات والتحولات والمتغيرات، ولتكون أكثر تأثيراً وحضوراً وأصلب نضالاً على طريق الحرية ومواصلة النضال بالتمسك بالثوابت الوطنية وحماية القرار الوطني المستقل، ومواجهة كل المحاولات التي تستهدف تصفية قضيتنا الوطنية، بعيداً عن قرارات الشرعية الدولية، وبعيداً عن كل أشكال الوصاية ومحاولات النيل من دور ومكانة وطننا المعنوي المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية ورفض كل المحاولات الخبيثة لفرض بدائل عن ممثلنا الشرعي والوحيد للانقضاض على مشروعنا الوطني وتصفيته وفرض الحلول التسووية الأمريكية التي تنتقص من حقوقنا والتي جابهها شعبنا بثبات وأسقط ما سمّي بصفقة القرن، التي، ورغم سقوط عرابها الرئيس السابق ترامب، ما زالت حاضرة بفصولها التآمرية والمعادية لشعبنا وقضيتنا .

في ذكرى انطلاقة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، ستبقى البوصلة تشير الى القدس عاصمة الحلم الفلسطيني، منها انطلقت الجبهة، وفيها تواصل النضال، واليها سنعود لنبني عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة، دولة الحقوق والحريات، دولة وطنية ديمقراطية علمانية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني
عرض مقالات: