يجمع الكثير من المراقبين على أن إعلان فنلندا، لطلبها الانضمام إلى حلف الناتو أصبح وشيكا وأمرا واقعا، وأنه يخضع للمسات الأخيرة، فالجميع في البلاد يتحدث الآن عن التغيير الكبير في البيئة الأمنية في أوروبا، واستطلاعات الرأي تعكس ميل الشارع الفنلندي لطلب الانضمام. والمتابع يلاحظ كيف راحت الدبلوماسية الفنلندية تنشط، سواء عن طريق وزير خارجيتها بيكا هافستو(الخضر) أو رئيسة الوزراء سانا مارين (الاشتراكي الديمقراطي)، لإجراء اللقاءات مع قادة دول العالم للحصول على ضمانات أمنية دولية للفترة الحرجة، من تاريخ تقديم الطلب المتوقع في مؤتمر الحلف في مدريد نهاية حزيران القادم، حتى نيل العضوية، والتي عادة تستغرق ثلاثة شهور حتى 12 شهرا، وذلك تحسبا من إجراءات انتقامية ما من الجانب الروسي، سواء بالهجوم العسكري المباشر، أو هجوم اليكتروني، أو اعمال تخريبية.

النقاشات في مجلس النواب الفنلندي، مستعرة، من يوم بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، وزادت حدتها، بعد تقديم وزارة الخارجية الفنلندية، كتابها الأبيض، الذي احتوى تقييم الوضع الأمني واحتمالات الانضمام لحلف الناتو. وحسمت غالبية الاحزاب الفنلندية، في الحكومة والمعارضة موقفها في اعلان دعمها طلب عضوية الناتو لو تم تقديمه رسميا. وأعلن ساولي نينستو رئيس الجمهورية (الاتحاد الوطني الفنلندي)، بانه سيعلن موقفه قريبا، وينتظر المراقبون الأيام القادمة إعلان موقف حزب اتحاد اليسار ورئيسة الوزراء سانا مارين وحزبها الحزب الاشتراكي الديمقراطي (يسار)، وسبق لحزب الائتلاف الوطني المعارض (يمين تقليدي) أن دعا للانضمام إلى الناتو منذ عام 2006، وفي نيسان أعلن حزب الفنلنديين الحقيقيين المعارض (يمين متطرف) دعمه لطلب الانضمام إلى الناتو، وقالت رئيسة الحزب ريكا بيرا إن مجلس حزبها صوت بـ 61 مقابل 3 لصالح العضوية. وفي الشهر الماضي أيضًا، أعلن حزب الوسط (وسط)، الذي عرف عنه دعمه لسياسة عدم الانحياز العسكري، إنه سيدعم انضمام فنلندا إلى حلف الناتو، كذلك حزب الخضر(يسار)، وأيضا التحق بركب المؤيدين أصغر أحزاب المعارضة، حزب الديمقراطيين المسيحيين (يمين الوسط)، إذ أعلن مجلس الحزب تأييده بأغلبية ساحقة.

ورغم ان حزب اتحاد اليسار يعتبر تقليديًا من أكثر الأحزاب الفنلندية المناهضة لحلف الناتو داخل مجلس النواب، وهو أساسا انضم إلى الحكومة الائتلافية بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي قبل ثلاث سنوات بشرط ألا يقود البلاد نحو أي تحالف عسكري، الا ان الحزب يخوض الآن صراعا فكريا شديدا بين صفوف قيادته، فقد أعلن فقط تسعة من أصل 16 نائبا من نوابه معارضتهم انضمام فنلندا إلى حلف الناتو.

وتبدو الأمور مقلقة جدا، لان المتوقع انسحاب حزب اتحاد اليسار من الحكومة الائتلافية، فيما إذا قرر مجلس الحزب معارضة الانضمام إلى حلف الناتو، فهذا سيدخل البلاد في ازمة وزارية، خصوصا ان الحكومة الائتلافية الحالية (حكومة يسار ـ الوسط) تواجه الآن حركة إضرابات مستعرة ومستمرة، من قبل العاملين في الصحة والتعليم، وبمساندة العديد من النقابات تطالب برفع الاجور وتحسين ظروف العمل.

وواصل الحزب الشيوعي الفنلندي، وهو خارج مجلس النواب، حملته المضادة للانضمام إلى حلف الناتو، متعاونا مع مجموعة منظمات يسارية أخرى، منها جمعيات فنانين وكتاب تنخرط فيما بينها بمجلس تنسيقي، وتدير محاضرات وندوات واشتركت بتظاهرات الأول من أيار تحت شعارات معارضة لحلف الناتو.

من جانبه قال الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، إنه إذا قررت فنلندا الانضمام إلى التحالف العسكري، فإن عملية الانضمام ستكون (سلسة وسريعة)، فوفقا لتصريحاته بمجرد أن يتم الاتفاق على بروتوكول الانضمام، ستشارك فنلندا فعليًا في اجتماعات وأنشطة الناتو على جميع المستويات، بصفة (المدعو)، بعدها تكون مرحلة التصديق في 30 برلمانًا في 30 دولة من أعضاء الحلف، وأشار إلى ان هناك إشارات ورسائل من جميع الحلفاء تشير إلى انهم سيحاولون القيام بذلك في أسرع وقت ممكن.

من جانبها واصلت الصين، الحليف القوي لروسيا، خلال هذه الازمة، تحذيراتها من قرارات توسع الناتو نحو الشرق، وقال مؤخرا نائب وزير الخارجية الصيني لو يو تشنغ، إن ذلك سيكون خطأ آخر سيؤدي إلى كارثة. واضاف بإن (استغلال النزاع الروسي الأوكراني لإثبات ضرورة توسع حلف الناتو تجاه الشرق هو مثال على تبديل الأماكن بين السبب والعواقب). وفي الوقت الذي تتواصل به المعارك العسكرية بين الجانب الروسي والأوكراني على الأرض وتبادل الاتهامات الاعلامية، يكرر الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن أي اتفاق سلام مع روسيا يجب أن يكون قائما على عودة القوات الروسية إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل بدء غزو بلاده في فبراير/شباط الماضي، وتواصل الماكنة الإعلامية الروسية التأكيد بأن (العملية الخاصة) لروسيا في أوكرانيا ليست عدوانا عسكرياً، ولكنها صراع لاستئصال النازية.

عرض مقالات: