اخر الاخبار

يشهد قطاع النفط العراقي تطورات متسارعة في ظل تصاعد التوترات الأمنية في منطقة الخليج، ولا سيما عند مضيق هرمز، أحد أهم شرايين نقل الطاقة في العالم؛ فبين تكدّس الشحنات، وارتفاع كلف النقل، ولجوء بغداد إلى خصومات سعرية غير مسبوقة، تتكشف أزمة مركبة تجمع بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد النفطي، ما يفرض على العراق إعادة تقييم استراتيجيته التصديرية.

تكدّس غير مسبوق للنفط العراقي والخليجي

وكشفت بيانات ملاحية حديثة عن تكدّس نحو 163 مليون برميل من النفط الخام الخليجي على متن ناقلات متوقفة غرب مضيق هرمز، بينها حوالي 43 مليون برميل من النفط العراقي.

ويعكس هذا التكدّس تباطؤاً حاداً في حركة العبور نتيجة تصاعد المخاطر الأمنية، ما دفع شركات شحن عالمية إلى تقليص رحلاتها أو تأجيلها.

وتزامنت هذه الأزمة مع تعرض أربع سفن تجارية وناقلات نفط لهجمات منذ مطلع أيار، إضافة إلى استهداف مركز الفجيرة النفطي، وهو ما أدى إلى حالة من القلق في الأسواق العالمية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن.

ويشكل تراكم الشحنات غير المصدّرة تحدياً كبيراً للعراق، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على منافذ التصدير البحرية في الخليج. ومع محدودية القدرة التخزينية وغياب بدائل تصديرية واسعة، تتزايد الضغوط على الحكومة للحفاظ على تدفق الإيرادات النفطية، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني.

خصومات سعرية قياسية

في محاولة لتجاوز أزمة التصدير، لجأت شركة سومو إلى تقديم خصومات كبيرة على أسعار النفط الخام لشهر أيار. ووفقاً لتقارير بلومبرغ ورويترز، بلغت الخصومات نحو 33.40 دولاراً للبرميل لخام البصرة المتوسط خلال الأيام العشرة الأولى من الشهر، قبل أن تنخفض إلى 26 دولاراً لبقية الأيام، فيما حُدد الخصم على خام البصرة الثقيل عند 30 دولاراً.

وأوضح الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي أن هذه التخفيضات مؤقتة ومرتبطة مباشرة بالمخاطر المرتفعة لعبور المضيق، مشيراً إلى أن العراق يسير على خطى دول مثل روسيا وإيران وفنزويلا التي اعتمدت سياسات مماثلة في ظروف مشابهة.

أسباب هيكلية وراء الخصومات

ويرى المرسومي أن أحد أبرز أسباب هذه السياسة السعرية هو غياب أسطول وطني عراقي قادر على نقل النفط وتحمل المخاطر الأمنية، ما يجعل البلاد تعتمد بشكل كبير على شركات شحن أجنبية أكثر حساسية للتوترات الجيوسياسية.

كما أن الاعتماد شبه الكامل على مضيق هرمز كممر تصديري يضع العراق في موقع هش، خصوصاً مع استمرار التوترات الإقليمية منذ اندلاع الحرب في شباط الماضي.

بالتوازي مع هذه التطورات، شهدت أسعار النفط العالمية تراجعاً لليوم الثاني على التوالي، وسط توقعات بإمكانية استئناف الإمدادات من الشرق الأوسط. وجاء هذا الانخفاض بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول احتمال التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران.

وسجل خام برنت نحو 108.35 دولارات للبرميل، فيما بلغ خام غرب تكساس الوسيط حوالي 100.77 دولار، ما يعكس حساسية السوق لأي مؤشرات تهدئة أو تصعيد في المنطقة.

دعوات لإعادة رسم الاستراتيجية النفطية

في خضم هذه الأزمة، دعا الخبير النفطي حمزة الجواهري إلى إعادة النظر في استراتيجية تصدير النفط العراقي، مقترحاً إنشاء خزانات نفطية استراتيجية في الدول المستهلكة بسعة تصل إلى مليار برميل.

وأوضح أن خيار مدّ الأنابيب، رغم أهميته، يواجه تحديات سياسية وأمنية كبيرة، فضلاً عن كلفته العالية التي قد تصل إلى 27 مليار دولار، إضافة إلى رسوم العبور التي قد تفرضها الدول، كما في حالة الأردن التي طُرحت سابقاً كمسار محتمل برسوم تصل إلى 10 دولارات للبرميل.

ويرى الجواهري أن بناء خزانات خارجية يمنح العراق مرونة أكبر في إدارة صادراته، ويقلل من الاعتماد على الممرات الحساسة، ويعزز استقراره في الأسواق العالمية.

وتعكس أزمة تكدّس النفط العراقي عند مضيق هرمز هشاشة البنية التحتية التصديرية واعتمادها على ممر واحد عالي المخاطر. كما تكشف عن الحاجة الملحّة لتنويع أدوات التصدير، سواء عبر الاستثمار في الأساطيل الوطنية أو تطوير بدائل لوجستية أكثر أماناً.

وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، تبقى خيارات العراق محدودة بين تقديم تنازلات سعرية للحفاظ على حصته السوقية، أو تسريع إصلاحات استراتيجية طويلة الأمد قد تحدد مستقبل قطاعه النفطي لسنوات قادمة.