تواجه الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي اختباراً سياسياً حرجاً لاستكمال تشكيلتها الوزارية المتعطلة منذ منتصف مايو/ أيار الماضي، في ظل شغور 9 حقائب وزارية تُدار بالوكالة حتى الآن بسبب غياب التوافقات النيابية.
ويمثل هذا الانسداد عقبة حقيقية أمام الأداء الحكومي؛ إذ أكد النائب العراقي عن كتلة "عزم"، فيصل العيساوي، في تصريح خاص لـ"إرم نيوز"، أن "التأخر في إكمال الكابينة الوزارية يمثل نقطة ضعف كبيرة على النظام السياسي والقوى المشاركة فيه، ويشكل عامل إضعاف حقيقي لرئيس الوزراء وحكومته بالقيام بمهامهم وتنفيذ منهاجهم الوزاري".
وبينما تسابق القوى السياسية الزمن لإنهاء هذا الملف المعلق، تتداخل الأبعاد الخارجية بالمصالح الداخلية وصراعات النفوذ القضائي والسياسي، لتكشف عن شبكة معقدة من العراقيل والسيناريوهات المفتوحة على كافة الاحتمالات.
"فيتو" أمريكي على طاولات التفاوض
كشف العيساوي عن وجود "معرقلات خارجية تظهر بوضوح في الاعتراض والرفض الصريح من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لمشاركة قوى سياسية أساسية وممثلة برلمانياً في أي وزارة أو موقع تنفيذي داخل الحكومة"، وأوضح أن "هناك فيتو واعتراضاً أمريكياً مباشراً على مشاركة كتلتي صادقون وخدمات وقوى أخرى في مفاصل الكابينة".
ونظراً لأن هذه الكتل يمثل قوى أساسية لديها تحالفات واسعة داخل البرلمان، فإن حسم الملف يواجه معادلة صعبة، فإما "أن تتخذ القوى السياسية قراراً شجاعاً بالذهاب لتشكيل الحكومة بما يخالف رغبة وتوجهات الإدارة الأمريكية، أو أن تقبل هذه الكتل بالتنازل عن استحقاقها الانتخابي لتسيير القضية".
وفي هذا السياق، يتفق الباحث والسياسي المستقل وائل الحازم مع ما ذكره العيساوي بشأن هذا "الفيتو" الأمريكي، ويقول لـ"إرم نيوز"، إن "واشنطن تضع فيتو واضحاً على بعض الأسماء والشخصيات المرتبطة بالفصائل"، وأضاف الحازم أن "الكتل السياسية تسعى جاهدة للتفاوض مع الجانب الأميركي لقبول بعض الأسماء المقترحة، ولكن الإدارة الأميركية لم تبدِ أي موافقة على ذلك حتى الآن، مما يجعل مساعي الإقناع بلا جدوى".
تداعيات "صولة الفجر" وصراع الوجوه المكررة
داخلياً، لم تعد المحاصصة التقليدية هي العائق الوحيد، بل برزت متغيرات قضائية وسياسية جديدة أسهمت في خلط الأوراق. وفي هذا الصدد، يشير الحازم إلى وجود 3 عوامل جوهرية تقف وراء هذا التعطيل.
يتمثل العامل الأول في تداعيات عملية مكافحة الفساد المعروفة باسم "صولة الفجر"، والتي أسفرت عن اعتقال عدد من الشخصيات المنتمية لكتل سياسية معينة، ويوضح الحازم أن "هذه الاعتقالات، في حال صدور أحكام قضائية بشأنها، ستقتص وتؤثر بشكل مباشر على الحجم البرلماني لهذه الكتل، ما يعني هبوط تمثيلها الانتخابي وعدد مقاعدها، وبالتالي تقليص حصتها ونقاطها التي تحتسب للحقائب الوزارية المشتركة بينها"، مشيراً بشكل خاص إلى تأثر كتلتي "العزم" والكتلة المرتبطة برئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني بهذا الملف القضائي المعقد".
أما العامل الآخر، حسب الحازم، فيرتبط بالمعايير الصارمة التي يفرضها رئيس الوزراء، إذ يؤكد أن "علي الزيدي يصر على رفض إشراك أي وزراء مكررين أو أسماء سابقة في كابينته". وهذا الشرط يواجه رغبة مباشرة لبعض الأحزاب الكبيرة، وعلى رأسها ائتلاف دولة القانون الذي رشح شخصيتين وزاريتين سابقتين لشغل حقائب في الكابينة الحالية، ما تسبب في عرقلة التمرير.
صراع المركزية وتقاسم القرار
من جانبه، يسلط المحلل والباحث السياسي العراقي علي الحبيب الضوء على زوايا أخرى تزيد المشهد تعقيداً، ويقول لـ"إرم نيوز" إن الخلاف يتجاوز مجرد تسمية الوزراء إلى ملفات أعمق ترتبط بصراع الصلاحيات وتقاسم مراكز النفوذ.
ويشير الحبيب إلى أن الصراع يدور أيضاً حول "الدرجات الخاصة" والوظائف التنفيذية الرفيعة التي تتبع الوزارات، وهي عقبة تقليدية تتكرر في كل دورة انتخابية وتجعل مساعي الحل أكثر صعوبة. كما كشف عن ضغوط شديدة تمارسها القوى السياسية على الزيدي لدفعه للقبول بتعيين نواب لرئيس الوزراء لتقاسم القرار.
ويوضح الحبيب أن "الزيدي يصر على مقاومة هذه الضغوط ويرفض تعيين نواب له؛ لأنه لا يريد تشعباً أو تعدداً في مراكز القرار التنفيذي، بل يسعى للتفرد بالقرار وإبقاء الكفة مركزية وموحدة". ويعزو الحبيب إصرار الزيدي على هذه المركزية إلى طبيعة المعارك الشرسة التي يقودها حالياً، ولا سيما "حملة مكافحة الفساد الكبرى وملف حصر السلاح بيد الدولة، واللذين يتطلبان قراراً مركزياً موحداً وقوياً". ورغم هذه المقاومة، يرى الحبيب أن حجم الضغوط السياسية قد يضطر رئيس الوزراء في نهاية المطاف إلى تقديم تنازلات والقبول بتسمية نواب له لتمرير الكابينة.
معركة "إدارة الوكالات" والجدل حول جدواها
وفي قراءة مغايرة، يرى الباحث وائل الحازم أن بقاء الوزارات التسع الشاغرة (وفي مقدمتها الدفاع، الداخلية، التخطيط، والتعليم) تدار بالوكالة قد يخدم مصالح رئيس الوزراء والشارع العراقي في آن واحد خلال المرحلة الراهنة.
ويوضح الحازم لـ"إرم نيوز" أن "إدارة هذه الوزارات بالوكالة حالياً تعد الخيار الأفضل؛ لأنها تمنح الزيدي تحكماً وسيطرة مباشرة وشخصية عليها، بدلاً من إسنادها لوزراء حزبيين سيمتثلون لأوامر وتوجيهات رؤساء كتلهم الحزبية أكثر من امتثالهم لأوامر رئيس مجلس الوزراء، ويرى الحازم أن المشاكل الخدمية والأمنية والاقتصادية الهيكلية التي يواجهها العراق تجعل من وجود وزير أصيل أو غيابه أمراً غير مؤثر بشكل جذري، مستنتجاً أن إدارة الوزارات عبر الوكلاء الخاضعين للمركز تضمن فاعلية أفضل للحكومة في هذا التوقيت.
على الطرف الآخر، يرى علي الحبيب أن حسم التشكيلة الحكومية بشخصيات كفوءة ومستقلة وبعيدة عن ملفات السلاح والتأثير الخارجي يظل ضرورة ملحة لمنح الزيدي مساحة أوسع لمعالجة الأزمات، مستدركاً بأن تحقيق ذلك يبقى رهناً بمدى استعداد القوى السياسية للتخلي عن عقلية المحاصصة وتقديم مصلحة الدولة.
اجتماع السبت وترقب الاختراق
ومع تباين الرؤى، تتجه الأنظار إلى غدٍ السبت، حيث يُرتقب عقد اجتماع حاسم لتحالف "إدارة الدولة" الحاكم. ويعلق النائب فيصل العيساوي آمالاً كبيرة على هذا اللقاء، واصفاً إياه بـ "الحيوي لحسم توقيت وآلية اختيار وزراء الحقائب الشاغرة بالتنسيق مع رئيس الوزراء، وتحديد موعد نهائي للتصويت".
وبينما يصف العيساوي الخلافات الداخلية بأنها "بسيطة ويمكن حسمها بسهولة عبر الحوار"، يتبنى الحازم موقفاً أكثر تشاؤماً؛ حيث يستبعد تماماً حدوث "حل جذري للأزمة خلال الأسبوع المقبل، نظراً لعمق العقبات القضائية المرتبطة بصولة الفجر وتعنت الموقف الأميركي الرافض لمرشحي الفصائل".
وبين تفاؤل النواب بلقاءات السبت وتشاؤم الباحثين بفرص الحسم السريع، يبقى الشارع العراقي يترقب نهاية هذا الشغور الوزاري الطويل الذي بدأ منذ منح حكومة الزيدي ثقة منقوصة لـ 14 وزيراً فقط في مايو/أيار الماضي، وسط تساؤلات مفتوحة حول قدرة النظام السياسي العراقي على الموازنة بين شروطه السيادية الداخلية والخطوط الحمراء الخارجية.