تواصل حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي حراكها بشأن أحد أهم الملفات الإنسانية والأمنية وأعقدها، والمتمثلة في "المناطق منزوعة السكان" في العراق التي يسيطر عليها خليط مليشيات مسلحة موالية لإيران، تمنع عودة أهلها إليها منذ 12 عاماً، وتفرض حظراً على القوات العراقية الرسمية من دخولها أيضاً. والحراك الحكومي، الذي بدأه الزيدي
في شهر أغسطس/آب الماضي، لا يهدف إلى إعادة السكان المهجرين في المخيمات ومعسكرات النزوح، وفق مسؤولين في بغداد، تحدثوا لـ"العربي الجديد"، بل يسعى من خلاله إلى تحقيق خرق حقيقي في الملف عبر دخول القوات النظامية من الجيش والشرطة إلى تلك المناطق والانتشار فيها في مرحلة أولى.
"المناطق منزوعة السكان" في العراق مصطلح شائع حيال أكثر من 10 مناطق رئيسة في البلاد و103 قرى وقصبات (قرى كبيرة)، تمنع المليشيات إعادة أهلها إلى منازلهم فيها تحت حجج وذرائع مختلفة. لكنها تفرض أيضاً حظراً على دخول القوات العراقية النظامية إليها، ما يجعلها مناطق خارج سيادة الدولة والقانون بالوقت ذاته.
حراك لإدخال القوات النظامية
وفي أحدث معلومات حصلت عليها "العربي الجديد"، عبر مسؤول حكومي بارز في وزارة التخطيط، وضابط رفيع في قيادة العمليات المشتركة ببغداد، فإن الحكومة تتحرك بالوقت الحالي لفرض سلطتها على تلك المناطق والدخول إليها ونشر قوات الأمن فيها، وليس إعادة أهلها أو تطبيع الأوضاع فيها. والخطوة الأولى التي تسعى لها حكومة الزيدي، وفق المعلومات، هي إدخال قوات الأمن من الجيش والشرطة الاتحادية لتلك المناطق والانتشار فيها، وهو ما يعني نجاحاً كبيراً لم تفلح أي من الحكومات الأربع السابقة في تحقيقه.
وقال مسؤول في قيادة العمليات العراقية المشتركة ببغداد لـ"العربي الجديد"، إن "مفاوضات" تجرى مع عدة فصائل لإدخال القوات العراقية إلى جرف الصخر (بمحافظة بابل) والعوجة (بمحافظة صلاح الدين) والعويسات (بمحافظة الأنبار) ومناطق أخرى مُغلقة، تفرض الفصائل حظراً على دخولها منذ سنوات. وكشف عن أن غالبية مخازن الفصائل ومقدراتها العسكرية تنحصر في المناطق التي تغلقها أمام قوات الأمن العراقية، مضيفاً أنه في الوقت الحالي "هناك مفاوضات جدية حيال فتحها ودخول القوات العراقية والانتشار فيها، في مرحلة أولى ضمن عدة مراحل تستهدف إنهاء وضع شاذ داخل العراق"، وفق تعبيره. لكن المسؤول العراقي، اعتبر المفاوضات غير سهلة، لوجود قرار بعض الفصائل خارج العراق في إشارة إلى إيران.
مع العلم أنه في إطار ملف "المناطق منزوعة السكان" في العراق قالت مصادر مصادر سياسية عراقية لـ"العربي الجديد" في أغسطس الماضي، إن الزيدي وجه بدراسة الأوضاع الأمنية واللوجستية لمنطقة جرف الصخر المفرغة من سكانها منذ نحو 12 عاماً وتسيطر عليها فصائل ومليشيات موالية لإيران مع إيجاد آليات لانتشار القوات الأمنية النظامية في محيطها وعلى مداخلها. كما وجه الزيدي، وفقا للمصادر نفسها يومها، بفتح المنطقة والسماح لسكانها بالعودة وإنهاء نزوحهم، وبدء عمل مؤسسات الدولة فيها وصولاً إلى فرض سيطرة الدولة عليها بالكامل. وقالت المصادر لـ"العربي الجديد" يومها إن "الحكومة لا تفكر باقتحام المنطقة بل استرجاعها بالتفاهمات والضغط على الفصائل تدريجياً".
أبرز "المناطق منزوعة السكان" في العراق
"المناطق منزوعة السكان" في العراق أبرزها، جرف الصخر شمال محافظة بابل، والعوجة وسط محافظة صلاح الدين، والعويسات شرقي الأنبار، إلى جانب ذراع دجلة والثرثار والأحباب ويثرب وسلمان بيك وقرى آمرلي وطوزخورماتو وعزيز بلد، في محافظة صلاح الدين أيضاً. وتشمل تلك المناطق كلا من الوقف والحوض والسعدية وقرى المقدادية ونهر الإمام والخيلانية وبني زيد، في محافظة ديالى، إلى جانب مناطق إبراهيم بن علي قرب بغداد، وعكاشات وحصيبة الغربية في الأنبار. وتتفاوت هذه المناطق بين كونها مناطق حضرية وريفية، من دون أن تشهد أي مظاهر حياة منذ 12 عاماً.
وظلت تلك المناطق طوال هذه الفترة عبارة عن معسكرات وقواعد مغلقة للفصائل المسلحة، انتشرت حولها تقارير عن وجود سجون ومعتقلات سرية ومخازن سلاح. وعزز ذلك تكرار القصف الأميركي خلال الأشهر الأخيرة عليها، والإقرار بمقتل أعضاء في جماعة الحوثيين اليمنية، ومستشارين في الحرس الثوري الإيراني بعد غارات على تلك المناطق. كان آخر تلك الغارات، الشهر الماضي، القصف السعودي الأميركي الذي جاء رداً على هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق واستهدفت منشآت طاقة سعودية، نهاية يوليو/تموز الماضي.
بعض المناطق منزوعة السكان في العراق
وتُعتبر "كتائب حزب الله" و"النجباء" و"الإمام علي" و"عصائب أهل الحق" و"بدر" و"البدلاء" و"الطفوف" و"سيد الشهداء" و"الأوفياء"، أبرز الفصائل التي تسيطر على هذه المناطق، وتُعرف أيضاً بأنها الأكثر ارتباطاً أو تحالفاً مع إيران. كما تعمل بالوقت ذاته تحت غطاء "الحشد الشعبي". ومنذ أيام يتصاعد الجدل في العراق، إثر إعلان محافظ بابل علي تركي، في 24 أغسطس/ آب الماضي، تغيير اسم مدينة جرف الصخر، إلى مدينة "النصر"، معلناً بالوقت ذاته أن الأراضي الزراعية فيها، تم فسخ عقودها من أصحابها. واعتُبر هذا الإجراء مشروعاً جديداً لتغيير ديمغرافية المنطقة، قبل أن يصدر بيان لمليشيا "كتائب حزب الله"، التي تفرض سيطرتها على جرف الصخر، يبارك هذه الخطوة. بالمقابل برزت ردات فعل سياسية وشعبية وقبلية واسعة نددت بالخطوة، كان أبرزها ما ورد في بيان للقيادي في المجلس السياسي الوطني (للقوى السنيّة) خميس الخنجر، السبت الماضي، اعتبر فيه أن جرف الصخر "أرض مغتصبة"، وأن أهلها سيعودون إليها في يوم ما. كما نظم أهالي العوجة والعويسات عدة وقفات احتجاجية يومي الجمعة والأحد الماضيين، للمطالبة بإعادتهم إلى منازلهم والمناطق التي تحتلها الفصائل المسلحة.
وكان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، قد أكد خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، في 14 يوليو/تموز الماضي، وجود خطة لإعادة جميع النازحين إلى المناطق التي هُجّروا منها بالقول: "الآن لدي خطة أعيدهم (النازحين) إلى دورهم"، من دون الإشارة إلى كونهم من مناطق تمنع الفصائل الموالية لإيران عودتهم إليها. ويتوزع سكان تلك المناطق، البالغ عددهم وفقاً لتقديرات غير رسمية 1.2 مليون مواطن، على مخيمات ومعسكرات في الأنبار وأطراف بغداد وصلاح الدين ونينوى، وفي أربيل والسليمانية ودهوك ضمن إقليم كردستان. واستطاع الكثير منهم التكيف مع الوضع الجديد وإيجاد عمل له، خارج هذه المخيمات.
وفي ملف "المناطق منزوعة السكان" في العراق قال مسؤول في وزارة التخطيط العراقية ببغداد، لـ"العربي الجديد"، إن أكثر من 62 ألف دونم زراعي، فُسخت عقودها من أصحابها تحت ذريعة عدم الاستصلاح، رغم أن المناطق مغلقة وأهلها مهجرون من قبل الجماعات المسلحة. وكشف أن الأراضي الزراعية في العراق، تخضع عادة لعقود متفق عليها بين الدولة والفلاح أو المزارع، وتحمل أرقاما بحسب نوع التعاقد مثل عقود 115 و117 و35 و25، وهي معتمدة في كل العراق. وأوضح أن هذا النوع من التعاقد يختلف عن العقد السكني، بأن الفلاح أو المزارع تُسحب أرضه منه في حال لم يستصلحها أو يزرعها، على عكس العقار السكني. وبيّن المسؤول ذاته أن ذلك دفع، وتحت ضغوط من فصائل مسلحة، إلى نزع العقود بين أصحاب الأرض الأصليين والدولة وتغييرها وفسخها، مشيراً إلى تورُّط مسؤولين في وزراعة الزراعة بهذا الملف. واعتبر أن الحجة هي عدم الاستصلاح في حين أن أهلها ممنوعون من العودة لها ولمنازلهم وحياتهم، واصفاً ذلك بأنها عملية تغيير ديمغرافي قسري، تنفذها الفصائل بتواطؤ مع مسؤولين بوزارة الزراعة والتخطيط والبلديات.
وكان شيخ عشيرة الجنابيين، والنائب السابق في البرلمان عدنان الجنابي، قد طالب أخيراً بإعادة النازحين إلى منازلهم، واصفاً سيطرة الفصائل على جرف الصخر ومناطق أخرى بأنها "احتلال، وليست تحريراً". وتحدث عن هدم آلاف المنازل، وعمليات "قتل ونهب واختفاء قسري"، جرت في المناطق هذه، فضلاً عن استمرار منع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم وممتلكاتهم. ليرد محافظ بابل علي تركي الجمالي، منتصف الشهر الماضي، بالقول إن أراضي جرف الصخر كانت خاضعة لعقود زراعية، وأنها لم تعد كذلك بعد عدم تجديد تلك العقود، في إشارة إلى رفض عودة أهلها. يُذكر أن محافظة بابل تديرها جماعة "عصائب أهل الحق" (من خلال جناحها السياسي، حركة صادقون)، أحد الفصائل التي تفرض سيطرتها على المنطقة.
مشاريع تغيير ديمغرافي طائفية
مدير بلدية جرف الصخر الأسبق، حسن الجنابي، وهو نازح أيضاً من مدينته ويقيم مع أسرته في محافظة الأنبار، قال لـ"العربي الجديد"، إن صوراً جوية تظهر سرقة سقوف حديد التسليح في المنازل والمباني بالمدينة، إلى جانب استمرار عمليات تجريف بساتين كثيرة. وعلّق على فكرة أن تلك العقود زراعية وتم فسخها، بما يمنع أهلها العودة، بالقول إنها "كذبة غير صحيحة، وعقود مدينة جرف الصخر وغيرها أغلبها ملك صرف ودائم"، معتبراً أن فتح المناطق التي تستولي عليها الفصائل وجعلها على أقل تقدير تحت عين قوات الأمن النظامية، هو نجاح لحكومة الزيدي، وإعادة الأمل لمئات آلاف العراقيين بالعودة إلى منازلهم.
من جهته اعتبر عضو التيار المدني العراقي، أحمد حقي، أن مجرد دخول القوات العراقية النظامية لتلك المناطق والانتشار فيها، يسجّل بداية نهاية أزمة إنسانية وقانونية عمرها 12 عاماً. وأشار في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن ملف "المناطق منزوعة السكان" في العراق "تحوّل إلى علامة أو دليل في المحافل الدولية على ما تمثله المليشيات من تحد للدولة والقانون، وتفتيت وحدة المجتمع العراقي طائفياً". وأوضح أن حكومات حيدر العبادي، وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني (السابقة)، فشلت في تحقيق خرق حقيقي"، مشدداً على أنه في حال نجاح الزيدي في ملف "المناطق منزوعة السكان" في العراق فإن ذلك يعني الكثير سياسياً وأمنياً واجتماعياً على كل العراق. ووصف حقي هذا الملف، بأنه "أخلاقي"، إذ "يعاني المهجرون من ظروف صعبة للغاية وهم منفيون داخل وطنهم، ممنوعون من العودة لأملاكهم وحياتهم".