اخر الاخبار

العربي الجديد

تدخل أزمة تأخر صرف الرواتب الحكومية في العراق شهرها الثاني، إثر صعوبات مالية تمر بها البلاد نتيجة الفساد وسوء التخطيط الإداري لسنوات عديدة. وبدأت انعكاسات الأزمة تظهر بوضوح بين العائلات العراقية التي تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة لتسديد أقساط شهرية بعضها لقروض سيارات أو أجهزة أو سلع منزلية تم شراؤها في فترات سابقة، إلى جانب التزامات شهرية أخرى، منها أجور المدرسين الخصوصيين للأبناء وأجور المولدات الكهربائية الأهلية ودفعات للمصارف وشركات البيع بالتقسيط، وغيرها.

وبحسب موظفين حكوميين، فإن المشكلة تتسع يومياً، وأن معظم الجهات التي يلتزمون معها بدفعات شهرية لا تمنحهم الوقت الكافي لتأجيل السداد، ولا تقبل ربط استحقاقاتها بتوقيت الراتب الشهري، وهو ما يجبرهم على الاستدانة أحياناً من الأصدقاء أو الأقارب لدفع ما بذمتهم من الالتزامات المالية تجنباً للمشاكل.

يشار إلى أن عدد الموظفين ضمن الملاك الدائم في القطاع الحكومي العراقي يبلغ نحو أربعة ملايين موظف، فيما يبلغ إجمالي مرتبات موظفي القطاع الحكومي ثمانية تريليونات دينار عراقي شهرياً، بما يعادل نحو خمسة مليارات دولار، وبواقع يصل إلى أكثر من 60 مليار دولار سنوياً من إجمالي الموازنة العامة التي تبلغ سنوياً عتبة الـ100 مليار دولار.

الموظف في وزارة التخطيط علي المعموري، أكد لـ"العربي الجديد" أن صاحب المولد قطع عنه التيار الكهربائي بنهاية الشهر وأبلغه بأنه لن يعيده إلا بعد السداد، مبيّناً أنه اضطر إلى الاستدانة من أحد الأصدقاء لأجل سداد المبلغ، "تجنباً للوقوع بمشاكل".

ويرى موظف آخر في وزارة البيئة، يدعى مهند الحيالي، أن "أزمة الرواتب فرضت واقعاً غير مطمئن للعائلات، إذ إن معظم العائلات اعتمدت منذ فترات طويلة على الشراء بنظام الأقساط الشهرية، إذ كانت تصريحات الحكومة في السابق تطمئن المواطنين بشأن تأمين الرواتب بموعدها"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "الحال تغير اليوم وأصبحنا نعاني بشدة ونتعرض لمشكلات وإحراج مع تلك الجهات، وخاصة أن الحكومة لم تحدد ولا تقبل تحديد أي موعد جديد لاستلام الرواتب".

ورأى مختصون أن عدم انتظام توزيع الرواتب بدأ يفرز آثاراً وأزمات تتجاوز الجانب المعيشي، لأن العائلة التي تعتمد اعتماداً كلياً على الراتب، وهي اليوم لا يمكنها أن تعرف موعد استلامه تجد نفسها أمام التزامات مالية يجب سدادها شهرياً من دون تأخير.

ويقول الباحث الاجتماعي واثق الربيعي إن أزمة الرواتب اليوم بدأت انعكاساتها واضحة على العائلة العراقية، إذ لا تعاني العائلات من ضائقة مالية فقط، وإنما باتت تواجه عدم استقرار واضطراباً في إدارة حياتها اليومية والتزاماتها المجتمعية، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن "استمرار الأزمة من دون حلول قد يؤدي إلى تراكم الديون التي بدأت العائلات باعتمادها لسداد التزاماتها المالية، وهو ما يفرض عليها التزامات مالية جديدة تثقل كاهلها وتنعكس بما لا يقبل الشك على الاستقرار العائلي، إذ إن الاستقرار العائلي مرتبط بالاستقرار المالي".

وأضاف أن "معالجة الأزمة ينبغي ألا تقتصر على ضمان وصول الراتب الشهري، بل يجب أن ترافق ذلك إجراءات حكومية واضحة تحدد مواعيد الرواتب وأن يكون هناك التزام بسدادها في وقتها المحدد". يأتي ذلك في وقت تواجه فيه بغداد صعوبات مالية كبيرة رغم محاولات الحكومة إرسال رسائل تطمين بشأن وجود وفرة مالية تغطي الرواتب.

ووسط هذا التقاطع بين التصريحات الحكومية والواقع الفعلي لتأخر الرواتب، تبقى العائلات العراقية تبحث عن حلول مؤقتة ومعالجات تستطيع من خلالها توفير مبالغ مالية شهرية لسداد ما بذمتها من التزامات مالية