أثارت تصريحات زعيم منظمة بدر هادي العامري بشأن "وقوف المقاومة بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظها الدولة والنظام السياسي"، جدلاً واسعاً في العراق، بعدما فُسِّرت باعتبارها إقراراً علنياً بمشاركة فصائل مسلحة في مواجهة احتجاجات تشرين عام 2019، والتي أسفرت عن مقتل نحو 800 متظاهر وإصابة أكثر من 27 ألفاً، بحسب تقديرات وبيانات لمنظمات حقوقية محلية ودولية.
وتعيد تصريحات العامري إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في ملف تشرين، والمتعلقة بهوية الجهات التي استخدمت القوة ضد المتظاهرين، بعدما ظلت رواية "الطرف الثالث" حاضرة في الخطاب الحكومي والسياسي لتفسير عمليات القتل وإطلاق النار التي استهدفت المحتجين. وعلى مدى سنوات، اتهم ناشطون ومنظمات حقوقية محلية ودولية فصائل مسلحة بالوقوف وراء جانب من عمليات القمع، في وقت لم تكشف فيه التحقيقات الرسمية بصورة حاسمة جميع الجهات المسؤولة عن سقوط الضحايا.
ويرى منتقدو تصريحات العامري أن حديثه عن وقوف "المقاومة" في مواجهة تشرين يطرح تناقضاً واضحاً مع الرواية التي قدمت المتظاهرين باعتبارهم ضحايا لهجمات نفذها "طرف ثالث" مجهول. كما أعادت تصريحات زعيم منظمة بدر إلى الواجهة ملف المحاسبة، في ظل استمرار مطالبة عائلات الضحايا والناشطين بالكشف عن المسؤولين عن قتل وإصابة المتظاهرين، وسط غياب محاسبة شاملة وشفافة عن غالبية الانتهاكات التي رافقت، حتى اليوم، الاحتجاجات التي انطلقت في حينه عبر دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي إثر تردي الخدمات وتفاقم نسبة البطالة، قبل أن تتفجر بشكل واسع في بغداد ومدن جنوب ووسط العراق.
وفي هذا الصدد، قال الناشط المدني البارز طلال الجبوري، لـ"العربي الجديد"، إن "تصريحات العامري ليست مجرد موقف سياسي يمكن تجاوزه، بل تستوجب فتح تحقيق قضائي لمعرفة طبيعة الدور الذي لعبته الفصائل المسلحة خلال أحداث تشرين، وما إذا كانت مشاركتها في مواجهة المتظاهرين مرتبطة بعمليات القتل والقمع التي شهدتها ساحات الاحتجاج". وأوضح أن "العراقيين سمعوا طوال سنوات رواية الطرف الثالث، بينما كان المتظاهرون والمنظمات الحقوقية يوجهون أصابع الاتهام إلى جهات مسلحة متنفذة، واليوم يأتي تصريح من أحد أبرز قادة الفصائل ليتحدث عن وقوف ما يسمى بالمقاومة في مواجهة تشرين. ما قيل يجب ألا يمر من دون تحقيق، خصوصاً أن أحداث تشرين خلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى، فيما لم تصل التحقيقات والمحاسبة إلى مستوى يكشف للرأي العام الجهات والأشخاص المسؤولين عن هذه الجرائم".
وأضاف الجبوري أنه "إذا كان العامري يتحدث عن دور فصائل مسلحة في مواجهة تشرين، فعليه وعلى الجهات التي شاركت في تلك الأحداث أن توضح طبيعة هذا الدور، والقضاء مطالب باستدعاء كل من يمتلك معلومات بشأن ما جرى، وفتح الملفات المرتبطة بقتل المتظاهرين بعيداً عن الضغوط السياسية، فتصريحات العامري قد تكون نقطة تحول في قضية ظلت مغلقة لسنوات، لأنها تعيد طرح هوية الطرف الذي كان يواجه المتظاهرين بالسلاح، وتضع الرواية التي تحدثت عن طرف ثالث مجهول أمام اختبار حقيقي".
وشدد المتحدث ذاته على أن "مجلس القضاء الأعلى والادعاء العام مطالبان بفتح تحقيق معلن وشفاف في تصريحات العامري، والاستماع إلى إفادته بشأن الجهات التي كان يقصدها، وتحديد طبيعة المهام التي قامت بها الفصائل المسلحة خلال الاحتجاجات، والكشف عن أي صلة محتملة لها بعمليات قتل المتظاهرين أو استهدافهم، ودماء تشرين ليست ورقة للمزايدات السياسية، ولا يمكن أن تبقى ملفات قتل المتظاهرين معلقة إلى ما لا نهاية".
من جهته، اعتبر الناشط السياسي البارز حامد السيد عبر منصة "اكس" أن كلام العامري ليس مجرد موقف سياسي، وإنما "اعتراف متأخر بأن جهة ما كانت موجودة على الأرض لمواجهة المحتجين". وكتبت الصحافية والناشطة رفاه السعد عبر منصة "إكس" أن "اعتراف العامري بأن الطرف الثالث الذي اغتال شباب تشرين هم المليشيات المسلحة، يعني الإطار التنسيقي وكل الفصائل، وعادل عبد المهدي، كلهم متهمون رسمياً بقتل العراقيين".