إرم نيوز
كشف مصدر سياسي عراقي لـ"إرم نيوز" أن الحكومة أعدت خطة لنشر قوات نظامية في محيط "جرف الصخر" ومداخلها، تمهيدًا لاستعادة السيطرة الحكومية الكاملة على المنطقة، وإنهاء وجود الفصائل المسلحة فيها، ضمن الإجراءات المرتبطة بمهلة الـ30 من سبتمبر/أيلول التي حددتها بغداد لحصر السلاح بيد الدولة.
وقال المصدر المطلع على تطوّرات هذا الملف، إن الخطة لا تقوم، في مرحلتها الأولى، على اقتحام المنطقة أو الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الفصائل، وفي مقدمتها كتائب حزب الله، وإنما على إحكام وجود القوات الحكومية حولها، والسيطرة تدريجيًّا على مداخلها ومخارجها وطرق الحركة منها وإليها، بما يقلص قدرة الفصائل على الاحتفاظ بالوضع الأمني المغلق الذي فرضته في المنطقة طوال السنوات الماضية.
وأضاف المصدر أن دخول اللجنة الحكومية إلى جرف الصخر، الثلاثاء، لم يكن إجراءً إداريًّا منفصلًا، وإنما مثّل "عملية تمهيد واستطلاع" تسبق الخطوات اللاحقة، إذ تسعى الحكومة إلى تكوين صورة تفصيلية عن انتشار قوات الفصائل والمنشآت والأراضي والممتلكات والبنية الموجودة داخل المنطقة قبل تحديد آلية استعادة مؤسسات الدولة إليها.
واعتبر المصدر أن "جرف الصخر"، التي تسيطر عليها كتائب حزب الله، أشبه بالمدينة العسكرية بالنسبة لإيران، التي تضع "فيتو" على اقتحامها من أيِّ قوة عراقية؛ لِما لها من أهمية في تجهيز الفصائل بالأسلحة والمعدات. مشيرًا إلى الدلالة البالغة في التحرّك العراقي نحو المنطقة، تزامنًا مع زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد.
وكانت تقارير عراقية أفادت بأن اللجنة المشكَّلة من قِبل رئيس الوزراء علي الزيدي، توجَّهت إلى المنطقة للاطلاع على أوضاعها ميدانيًّا، وسط حساسية شديدة من جانب الفصائل الموجودة فيها، فيما أكدت تقارير أخرى أن الزيارة لا تعني حتى الآن تغيير وضع كتائب حزب الله داخل الجرف.
تطويق بدلًا من الاقتحام
تكشف الخطة الحكومية، وفق المصدر، عن محاولة حكومية لتجنب السيناريو الأكثر خطورة، والمتمثل بإرسال قوة عسكرية لانتزاع المنطقة بالقوة، بما قد يفجر مواجهة مسلحة بين مؤسسات الدولة وكتائب حزب الله.
ولا تبدو هذه المخاوف افتراضية. إذ يذكّر المصدر بما حدث في الـ24 من يوليو/تموز الماضي، عندما وصلت قوة عراقية إلى بوابات مقر فوج المهام الخاصة التابع لحركة النجباء في جرف النداف ببغداد، بحثًا عن طائرات مسيّرة وصواريخ، لكنها لم تتمكَّن من دخول المجمَّع بعدما رفض قادة في الحركة السماح لها بذلك، في واقعة اعتبرتها تقارير عراقية دليلًا على صعوبة تنفيذ نزع السلاح ميدانيًّا.
لذلك يبدو خيار جرف الصخر مختلفًا، كما يقول المصدر، وذلك عبر السيطرة على الجغرافيا المحيطة بالفصيل قبل محاولة السيطرة على مقراته.
وتكتسب المنطقة أهمية تتجاوز مساحتها وموقعها في محافظة بابل. فقد تحوَّلت منذ استعادتها من تنظيم "داعش" عام 2014 إلى إحدى أكثر مناطق العراق غموضًا، مع استمرار منع أعداد كبيرة من سكانها من العودة، ووجود كتائب حزب الله وفصائل أخرى فيها، فيما يصفها خصوم الفصائل بأنها منطقة أمنية مغلقة خرجت عمليًّا عن الإدارة الطبيعية للدولة.
كما تعرَّضت جرف الصخر خلال الحرب الأخيرة لسلسلة ضربات استهدفت مواقع ومستودعات تابعة للفصائل؛ ما أعاد تسليط الضوء على طبيعة المنشآت العسكرية الموجودة فيها وأهمية المنطقة ضمن البنية العسكرية لكتائب حزب الله.
ضغط العشائر
لكن الحكومة لا تتحرك أمنيًّا فقط. حيث عاد ملف النازحين بقوة إلى الشارع العراقي، بالتوازي مع دخول اللجنة، وتحوّلت المطالبة بإعادة أهالي جرف الصخر إلى ضغط عشائري وسياسي متزايد.
وطالب الشيخ عدنان الجنابي صراحة بإخراج القوات الموجودة في المنطقة قبل الـ30 من سبتمبر/أيلول، رابطًا للمرة الأولى تقريبًا بين عودة السكان والمهلة الحكومية الخاصة بالسلاح.
كما أعلنت قبيلة العبيد تضامنها مع الجنابي بعد الإجراءات القضائية التي اتخذت بحقه على خلفية تصريحاته بشأن الجرف، مؤكدة أن المطالبة بعودة السكان قضية وطنية وإنسانية لا ينبغي تحويلها إلى تهمة سياسية.
وتحدث الجنابي عن عشرات الآلاف من النازحين الذين ما زالوا خارج المنطقة، فيما أعاد الجدل حول المنازل والأراضي والملكيات فتح أحد أكثر ملفات ما بعد الحرب على "داعش" حساسية. ويعني ذلك أن أي تحرك حكومي لم يعد متعلقًا بالسلاح وحده، بل بمن يسيطر على الأرض ومن يملك حق العودة إليها.
اختبار الـ30 من سبتمبر
لم تعد جرف الصخر مجرد ناحية متنازع عليها؛ فهي مرشحة لأن تتحول إلى الاختبار العملي الأول لجدية بغداد في تنفيذ مشروع حصر السلاح.
وكانت اللجنة الثلاثية المكلفة بهذا الملف، برئاسة الزيدي وعضوية رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني وزعيم منظمة بدر هادي العامري، قد بدأت منذ يونيو/حزيران مناقشة آليات تفكيك سلاح الفصائل وإعادة دمج عناصرها في المؤسسات المدنية والأمنية.
غير أن المحلل السياسي العراقي غالب الدعمي، يرى أن استعادة جرف الصخر من سلطة الفصائل إلى سلطة الدولة، ونقل المشروع من الاجتماعات إلى الأرض يظل الجزء الأصعب، خصوصًا مع الفصائل التي ترفض التخلي عن بنيتها العسكرية المستقلة.
ويضيف أن اختيار جرف الصخر بالغ الدلالة، فإذا استطاعت الحكومة إعادة الجيش والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة والسكان إلى منطقة بقيت لسنوات تحت هيمنة الفصائل، فإنها تكون كسرت أحد أصعب نماذج "الجغرافيا المغلقة" في العراق. أما إذا توقفت عند حدود إرسال اللجان، فإن المنطقة ستتحول مجددًا إلى دليل على المسافة بين قرارات بغداد وقدرتها على تنفيذها.
وأوضح الدعمي أن وضع جرف الصخر بات يحتاج إلى إعادة نظر، رافضًا استمرار منع السكان الأبرياء من العودة إلى منازلهم وأراضيهم، ومعتبرًا أن معالجة الملف ينبغي ألا تبقى رهينة الذرائع التي أبقته معلقًا طوال السنوات الماضية.
ويضع موقف الدعمي القضية في إطار يتجاوز الخلاف السياسي إلى مسؤولية الدولة عن إعادة مواطنيها وفرض سلطتها، خصوصًا بعدما انتفت المبررات التي استخدمت لسنوات لتبرير استمرار الوضع الاستثنائي في المنطقة.
وبذلك قد لا تكون المعركة المقبلة في جرف الصخر معركة اقتحام أصلًا. فالخطة التي تتشكل في بغداد تبدو أكثر هدوءًا وأطول نفَسًا، وتقوم على إغلاق المداخل أمام سلطة الفصائل، وفتحها أمام الدولة والسكان، ثم ترك "الإمارة" تختنق تدريجيًّا داخل حدودها.