كشف مصدر سياسي عراقي عن توقف مشاورات استكمال تشكيل الحكومة العراقية إلى ما بعد سبتمبر/أيلول المقبل، في ظل تصاعد الخلافات بشأن بعض المرشحين والحقائب الوزارية، بالتزامن مع اقتراب الموعد الذي حددته الحكومة لنزع سلاح الميليشيات.
وقال المصدر الذي طلب حجب هويته لـ"إرم نيوز" إن "رئيس الوزراء علي الزيدي أوقف جميع مشاورات استكمال تشكيل الحكومة في الوقت الحالي، للتفرغ لملف حصر السلاح بيد الدولة، خصوصاً مع اقتراب سبتمبر/أيلول، وهو الموعد الذي بات يمثل محطة أساسية في هذا المسار، إلى جانب الملفات الأمنية المرتبطة بانتهاء مهمة التحالف الدولي".
وتابع أن "القرار جاء أيضاً بسبب الخلافات السياسية التي رافقت محاولات استكمال الكابينة خلال الأيام الماضية، فضلاً عن تصاعد الضغط الأمريكي باتجاه إبعاد الميليشيات المسلحة والشخصيات المرتبطة بها عن استكمال تشكيل الحكومة، ولا سيما المناصب التي يمكن أن تمنحها نفوذاً مباشراً داخل مؤسسات الدولة".
فيتو صدري على العصائب
وجاء ذلك بعد رسائل وضغوط سياسية وصلت إلى قيادات في "الإطار التنسيقي" بشأن ضرورة عدم منح الميليشيات المسلحة أو الشخصيات المرتبطة بها مواقع تنفيذية بارزة، في وقت كانت فيه المفاوضات تتجه إلى منح حركة "عصائب أهل الحق" وزارة، إلى جانب منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، قبل أن تصطدم هذه الترتيبات بالتحفظ الأمريكي، وفقاً لمصادر سياسية.
ويسعى قيس الخزعلي، الأمين العام لحركة "عصائب أهل الحق"، إلى منح شقيقه ليث الخزعلي منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، بعد موافقتها على حصر السلاح بيد الدولة وتسليم أسلحتها للجيش العراقي، في وقت ذكر تقرير لشبكة 964 المحلية، إن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر دخل على خط الأزمة، ورفض تولي "العصائب" منصب نائب رئيس الوزراء، بسبب الخصومة المعروفة بين الطرفين، كما أن التيار – وفق التقرير – يرى أن المرحلة لا تحتمل تعيين شخصيات تابعة للفصائل ضمن الطواقم العليا.
ولا تبدو هذه الضغوط منفصلة عن مسار أمريكي أوسع تجاه القوى والميليشيات المسلحة في العراق، إذ سبق أن طُرحت شروط تتعلق بإبعاد الفصائل عن مؤسسات الدولة ووقف تمويلها من الموازنة العامة، بالتزامن مع مطالبة بغداد باتخاذ إجراءات عملية في ملف نزع سلاح الميليشيات.
ولا تزال 9 وزارات شاغرة في حكومة الزيدي، بعدما منح مجلس النواب الثقة في مايو/أيار الماضي لـ14 وزيراً من أصل 23 وزيراً، وهي الدفاع والداخلية والتخطيط والثقافة والإعمار والإسكان والتعليم العالي والبحث العلمي والهجرة والمهجرين والشباب والرياضة والعمل والشؤون الاجتماعية، فيما تتولى جهات حكومية إدارة هذه الوزارات بالوكالة إلى حين التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن مرشحيها.
توازنات وضغوط
وكانت الخلافات حول وزارتي الدفاع والداخلية في مقدمة العقبات التي عطلت استكمال الحكومة، نظراً لحساسية الوزارتين وارتباطهما المباشر بالملف الأمني، فيما سعت القوى السياسية خلال الأشهر الماضية إلى التوصل لتفاهمات تتيح تمرير بقية الوزراء، خصوصاً قبل زيارة الزيدي إلى واشنطن، إلا أن الخلافات حول الأسماء والحصص السياسية حالت دون إتمام ذلك.
بدوره، قال المحلل السياسي عماد محمد إن "تعطيل استكمال الكابينة الوزارية لا يمكن فصله عن التحولات التي يشهدها المشهد السياسي العراقي، خصوصاً أن بعض الحقائب أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بموازين القوى داخل الإطار التنسيقي وبالرسائل التي تصل من الخارج".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بمن يحصل على الوزارة، وإنما بمن يمتلك القدرة على تمرير مرشحه من دون أن يفتح ذلك الباب أمام ضغوط أمريكية أو اعتراضات داخلية، ولذلك فإن ملف الفصائل أصبح عاملاً مؤثراً في مفاوضات تشكيل الحكومة، خصوصاً بالنسبة إلى الوزارات التي تمنح شاغليها نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً".
ويأتي هذا التعقيد في وقت تسعى فيه حكومة الزيدي إلى تثبيت مسار جديد في العلاقة مع الولايات المتحدة، بعدما شهدت زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن في يوليو/تموز الماضي بحث الانتقال بالعلاقة بين البلدين إلى شراكة اقتصادية وأمنية أوسع، مع التأكيد على بناء آلية تعاون جديدة بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي.
وبينما سبق أن كان اسم نوري المالكي في مقدمة الشخصيات التي واجهت اعتراضات أمريكية على أدوارها السياسية، تبرز اليوم أسماء قيادات ضمن الميليشيات المسلحة، وفي مقدمتها قيس الخزعلي، إلى قلب النقاش حول حدود النفوذ المقبول أمريكياً داخل الحكومة العراقية، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أوسع بشأن ما إذا كانت قائمة الشخصيات والقوى التي تتحفّظ عليها واشنطن في بغداد قد اتسعت، وما إذا كان ذلك سيؤثر في شكل الحكومة.