عادت منطقة جرف الصخر إلى واجهة الأحداث في العراق مع تصاعد مسار نزع سلاح الميليشيات، في وقت تتجه فيه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى اختبار قدرتها على استعادة السيطرة الحكومية على مناطق ظلت لسنوات خارج نطاق الإدارة الأمنية والمدنية الطبيعية.
وبحسب مصدر أمني عراقي، تحدث لـ"إرم نيوز" فإن "الحكومة تدرس خطة لإعادة الانتشار في جرف الصخر، تتضمن عدة خيارات تبدأ بالانتشار التدريجي وعودة مؤسسات الدولة، وصولاً إلى فرض السيطرة الحكومية في حال تعذر التوصل إلى تفاهمات مع الجهات المسلحة الموجودة في المنطقة".
وأضاف المصدر الذي طلب حجب هويته أن "الخطة تتضمن بحث إمكانية إخلاء بعض المقرات الموجودة في المنطقة قبل انتشار القوات الحكومية، مع دراسة ملف عودة السكان وفتح الطريق أمام المؤسسات الخدمية والأمنية، والحكومة لا تريد أن تبدأ بخطوة تؤدي إلى مواجهة، لكنها في الوقت نفسه تريد إنهاء حالة بقاء المنطقة خارج الإدارة الحكومية الطبيعية".
وتأتي هذه التطورات في وقت أصبحت فيه جرف الصخر مرتبطة بصورة مباشرة بملف حصر السلاح، بعدما تحولت المنطقة منذ معارك تنظيم داعش 2014 إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في العراق، وظلت عودة سكانها إلى منازلهم موضع خلاف سياسي وأمني مستمر، فيما تتهم قوى سياسية وفصائل مسلحة بالوقوف وراء استمرار إغلاق المنطقة أمام عودة السكان.
تعهدات الزيدي
وفي تموز الماضي، أعلن الزيدي خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن لديه خطة لإعادة العراقيين إلى منازلهم المدمرة، في إشارة إلى ملف النزوح والمناطق التي لم يتمكن سكانها من العودة إليها، فيما ربطت تقارير إعلامية بين هذا الملف وبين مسار نزع سلاح الميليشيات واستعادة سلطة الدولة على المناطق الخارجة عن سيطرتها الكاملة، ومن بينها جرف الصخر.
كما تصاعد الضغط السياسي والقانوني بشأن المنطقة، إذ أعلن شيخ عام عشيرة الجنابيين عدنان الجنابي إقامة دعوى ضد رئيس الوزراء علي الزيدي، على خلفية عدم إعادة سكان جرف الصخر، متحدثاً عن عرقلة عودة الأهالي.
وتشير خلفية الملف إلى أن جرف الصخر تحولت خلال السنوات الماضية إلى عنوان سياسي وأمني شديد الخطورة، خصوصاً مع اتهامات متكررة بوجود مواقع عسكرية ومخازن ومرافق تابعة لميليشيات مسلحة داخل المنطقة، فيما تحدثت تقارير عن ارتباط بعض تلك المواقع بشبكات دعم إيرانية، وهي معلومات لا تعلن الحكومة العراقية تفاصيلها بصورة رسمية حتى الآن.
ويعتقد مراقبون أن أهمية الخطوة الحكومية المحتملة لا ترتبط بمساحة جرف الصخر أو موقعها الجغرافي فقط، وإنما بما يمكن أن تمثله من سابقة سياسية، فإذا تمكنت الحكومة من إعادة القوات والمؤسسات الرسمية إلى المنطقة من دون مواجهة، فقد تتحول التجربة إلى نموذج يمكن تطبيقه في مناطق أخرى مثل يثرب، وعزيز بلد، والعويسات والعوجة وغيرها.
أهمية التوقيت
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي عبدالله الركابي، إن "ملف جرف الصخر ارتبط خلال السنوات الماضية بصورة مباشرة بالنفوذ الإيراني وبالحرس الثوري، ولذلك فإن تحريك الملف في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن مسار نزع سلاح الميليشيات، لأن الحكومة عندما تتحدث عن إعادة مؤسساتها إلى المنطقة فهي تتحدث عملياً عن إنهاء وضع استثنائي استمر لسنوات".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "تحريك ملف جرف الصخر لا يعني بالضرورة ذهاب الحكومة إلى مواجهة مع الفصائل، وإنما قد يكون جزءاً من اختبار سياسي وأمني لمعرفة مدى استعداد تلك الفصائل للتعامل مع الدولة، وإذا نجحت الحكومة في الوصول إلى تفاهم يضمن عودة مؤسساتها والسكان من دون صدام، فستكون قد قطعت خطوة مهمة في ملف حصر السلاح، أما الذهاب إلى خيار القوة فسيكون أكثر تعقيداً وحساسية".
وتقع جرف الصخر شمال غرب محافظة بابل واكتسبت أهمية استراتيجية بسبب موقعها القريب من بغداد والطريق الرابط بين العاصمة ومحافظات الفرات الأوسط، فضلاً عن قربها من مناطق كانت تشهد نشاطاً لتنظيم داعش قبل عام 2014.
وكانت المنطقة تضم عدداً من القرى الزراعية التي يقطنها السكان المحليون، قبل أن تتحول بعد معارك تحريرها من التنظيم إلى واحدة من أبرز الملفات الخلافية المرتبطة بالنزوح وعودة الأهالي وانتشار الميليشيات المسلحة.