اخر الاخبار

العربي الجديد

يتجه القطاع الصحي في العراق إلى مرحلة أكثر هشاشة في ظل أزمة مالية تلقي ظلالها الثقيلة على مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المستشفيات الحكومية التي تعاني أساساً من ضعف البنية التحتية ونقص التجهيزات، ومع تراجع التمويل، بدأت آثار الأزمة تظهر بوضوح في قُدرة دوائر الصحة على تأمين الأدوية والخدمات الطبية، ما ينذر بتفاقم معاناة المرضى في بلد يواجه تحديات صحية مزمنة.

ووفقاً لشهادات من قبل أطباء ومرضى ومسؤولين محليين، فإن معظم مستشفيات البلاد سجلت أخيراً تراجعاً ملحوظاً في مستوى الخدمات الطبية التي باتت شبه معدومة في عدد منها. إذ أكد عضو مجلس النواب ماجد شنكالي أن "دوائر الصحة في معظم المحافظات باتت عاجزة عن تمويل احتياجاتها الأساسية من الأدوية والمستلزمات بسبب عدم صرف التخصيصات المالية من قبل وزارة المالية"، مؤكداً في بيان صحافي أن "هذا الواقع لا يقتصر على القطاع الصحي فحسب، بل يشمل معظم مؤسسات الدولة التي تعاني من شح السيولة ونقص التمويل". وأشار إلى أن "العراق يعيش في أصعب أيامه اقتصادياً ليس بسبب قلة الموارد، لكن لسوء إدارة هذه الموارد وفساد المؤسسات و"إداراتها".

ميدانياً، وفي محافظة ديالى تحديداً، تكشف الحالة وضوحاً أكثر لتأثير الأزمة المالية على المشاريع الصحية الحيوية، فقد أعلنت الإدارة المحلية لقضاء مندلي توقف العمل في مشروع مستشفى مندلي الحكومي وهو بسعة 100 سرير، ويعد أكبر مؤسسة صحية جديدة في مناطق شرق محافظة ديالى. وأوضح قائممقام مندلي علي ضمد، في تصريح له مؤخراً، أن "نسبة إنجاز المستشفى بلغت نحو 90% خلال الفترة الماضية، قبل أن يتعثر المشروع بسبب نقص التخصيصات المالية، ما أدى إلى توقف العمل إلى حين توفير التمويل اللازم"، مؤكداً أن "مطالبات الأهالي تتزايد لإيجاد حلول عاجلة لاستكمال المشروع وإدخاله الخدمة في ظل الحاجة المتنامية للرعاية الصحية". ويحمل هذا التوقف تداعيات مباشرة على أكثر من 60 ألف نسمة في قضاء مندلي والمناطق المحيطة به، من الحدود الإيرانية وصولاً إلى قضاء بلدروز شرقي ديالى، حيث كان يعول على المستشفى لتقليل الحاجة إلى التنقل نحو بعقوبة أو مدن أخرى لتلقي العلاج.

 

تراجع أداء مؤسسات صحية في العراق

من جهته، أقر مسؤول في وزارة الصحة بأن الأزمة المالية انعكست بالفعل على أداء بعض المؤسسات الصحية، وأكد لـ"العربي الجديد"، مشترطاً عدم ذكر اسمه، أن "تأخر إطلاق التخصيصات أثر في عمليات توفير الأدوية والمستلزمات الطبية وصيانة الأجهزة"، موضحاً أن "الوزارة تحاول إدارة الموارد المتاحة وفق أولويات طارئة، غير أن استمرار الأزمة دون حلول مالية مستدامة قد يوسع فجوة الخدمات بين المحافظات ويزيد الضغط على المستشفيات المركزية".

وفي السياق نفسه، أكد عضو نقابة الأطباء العراقيين هشام الفراجي أن آثار الأزمة المالية باتت ملموسة داخل المستشفيات، سواء من حيث نقص الأدوية الأساسية أو تأخر صيانة الأجهزة الطبية، ما يضع الكوادر الطبية أمام تحديات إضافية في تقديم الخدمة"، معتبراً في تصريحه لـ"العربي الجديد" أن "القطاع الصحي يحتاج إلى خصوصية تمويلية، تضمن عدم خضوعه للتجاذبات المالية المعتادة، نظراً إلى طبيعته الحساسة وارتباطه المباشر بحق المواطنين في العلاج". وشدد على أن "استمرار الأزمة المالية من دون معالجة جذرية يجبر المرضى على اللجوء إلى القطاع الخاص، بما يحمله ذلك من أعباء مالية إضافية على العائلات، خاصة ذات الدخل المحدود، كما قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالخدمات الصحية الحكومية، في وقت يفترض فيه أن تشكل المستشفيات العامة صمام أمان اجتماعي للفئات الأشد حاجة".

وتأتي هذه التطورات في ظل واقع طبي متردٍ أساساً في البلاد، يتمثل في اكتظاظ المستشفيات، ونقص الأسرَّة، وضعف التجهيزات في عدد من المحافظات فضلاً عن عدم توفير الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية الحديثة، وهي مشكلات بنيوية تفاقمت اليوم مع شح التمويل.